شبكة تحرير وتنوير
منارة للتعريف بالإسلام عقيدة وشريعة وتربية، وفق المرجعية السُنّية المالكية

الحديث الصّحيح حجة في الدين

‌‌‌الحديث ‌الصّحيح ‌حجة ‌في ‌الدين1

فضيلة الإمام محمد الخضر حسين

بُعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يدعو إلى الحق بقول لا يحوم به ريب، ولا يدنو منه قصور، لحمته حكمة، وسداه فصاحة، وتلقاه أصحابه – رضي الله عنه – على بصيرة وفطرة سليمة وقوة حافظة، وعرفوا مقاصده، وبلغوه كما صدر عنه، ونطق به، فكان قوله متممًا لما دعا إليه القرآن الكريم، حتى نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

بلّغ الصحابة القرآن وأحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم – بصدق وأمانة من يبلّغها بصدق وأمانة كذلك، ولم يأذن النبي – صلى الله عليه وسلم – في كتابة الحديث خشية أن يختلط بالقرآن، واعتمد على ما عرف عن العرب من قوة الحافظة والضبط، وعلى صدق أصحابه وأمانتهم، وإنما أذن بالكتابة في أشياء لا تلتبس بالقرآن. ووصل إلينا من الكتب التي قيل: إنها أول ما ألف في الحديث كتاب “الموطأ” للإمام مالك، ولم يكن مالك بعيداً من عهد النبي – صلى الله عليه وسلم -، حتى إن ما يسمونه ثنائيات الموطأ هي الأحاديث التي بلغت مالكاً بسند فيه راويان فقط بينه وبين النبي – صلى الله عليه وسلم -، وجاء بعده عهد المحدّثين الذين ألّفوا في الصحيح؛ كالبخاري، ومسلم. وما يسمونه: ثلاثيات البخاري هي الأحاديث التي بلغت البخاري بسند ثلاثة رواة بينه وبين النبي – صلى الله عليه وسلم -.

والحديث الصحيح: هو الذي يرويه عدل ضابط عن عدل ضابط، وهكذا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -. وقد اتفق الصحابة والتابعون لهم على أن الحديث الصحيح حجة في الدين، ووقائع احتجاجهم بالحديث النبوي كثيرة لا يسع هذا المقال ذكرها.

وأنكر الاحتجاج بالحديث في الدين بعضُ من ينتمون إلى الإِسلام2، وحصر الاحتجاج في القرآن الكريم، وتأول آياته على ما يشتهي، وقد وجد في رواية الحديث بعضُ الزنادقة ثلمة يدخلون منها إلى وضع أحاديث تخالف الشريعة، وتزري بها، ووجد الجاهلون الكذابون طريقاً إلى أن ينسبوا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – ما لم يقله، فوضع العلماء منذ ذلك العهد علمين:

علم رواية الحديث، وهو يبحث فيه عن كيفية اتصال الحديث برسول الله – صلى الله عليه وسلم – من حيث أحوال الرواة، وعدالتهم، وكيفية السند اتصالاً وانقطاعاً.

وعلم دراية الحديث، وهو علم يبحث عن المعنى المفهوم من ألفاظ الحديث، وعن المراد منها، مع مراعاة ضوابط العربية، وقواعد الشريعة، ومطابقة أحوال النبي – صلى الله عليه وسلم -.

وقد نبّه المؤلفون في هذين العلمين لفريق اشتهر بوضع الحديث، وصرحوا بأن تجريح الرواة، والطعن فيهم ليس من الغيبة المحرمة؛ مراعاة للمصلحة التي تنجم من تجريحهم والطعن فيهم، وممن ألف في ذلك: البخاري، والنسائيُّ، والذهبي، وذكروا من علامات الوضع ما يتعلق بالمتن؛ كأن يكون مخالفاً للواقع، أو إلى ما عهد في الشريعة، أو ما عرف به النبي – صلى الله عليه وسلم – من الحكمة وسمو القول. وبمثل هذا التحقيق تبين الحديث الصحيح من الحديث الضعيف والموضوع.

وإنما يحتج في الأحكام العملية بالحديث الصحيح؛ لأنه يفيد العلم؛ أي: الظن القوي، وهو يجب العمل به في الأحكام العملية؛ بخلاف العقائد؛ فإنه يعتمد فيها على الأدلة العقلية المنطقية، وعلى الحديث المتواتر من الأدلة السمعية. وكذلك أصول الأحكام، فإنه يتيسر للمجتهدين القطع فيها حيث يأخذونها من موارد متعددة من القرآن والحديث، فهي بمنزلة المتواتر.

وقد روي عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي: “أنهم كانوا إذا روي لهم عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حديث، يقضون به، ولا يتجاوزونه”.

وقال كل واحد من الأئمة الأربعة: “إذا صح الحديث، فهو مذهبي”.

وقال الحافظ أبو بكر بن العربي في كتاب “الأحكام”: “إن الآية عندنا، أو الحديث إذا جاء على خلاف الأصل، فهو أصل، بنفسه، ويجري على حكمه”.

والإمام الشافعي قد كتب في الاحتجاج بالسنّة ما تيسر له، وقال: “لا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحداً أخبر عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلا قُبِلَ خبره، وانتهى إليه، وأثبت ذلك”.

وقال ابن القيم من الحنابلة: “إن الحديث إذا صح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه، فإن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه، وترك كل ما خالفه”.

والحديث الصحيح قد يجيء بياناً لمجمل في القرآن الكريم، أو يزيد حكماً على ما فهم من ظاهر القرآن، وكلٌّ داخل في قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

وقوله تعالى:

{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

ولا يكون الحديث الصحيح مخالفاً للقرآن إلا إذا كان مبطلاً لنص من نصوصه. فمن المحتمل القريب أن يوحى إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – بحكم زائد على ما في القرآن، أو أن يفهم من القرآن بطريق القواعد التي أسسها القرآن؛ كما قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].

وذكر أحد أساتذة هذا العصر: أن العلماء خدموا الحديث من جهة السند أجلّ خدمة، ثم قال: “وأما من جهة المتن، وتبيين ما هو زمني، وما هو تشريع عام، وتبيين ما هو ديني، وما هو سياسي، فهذا لم يلتفت إليه”.

والواقع المشاهد الذي نعقد عليه الضمير: أن المحدّثين والمجتهدين قد خدموا متن الحديث، ودخلوا في غضونه، وكشفوا أسراره؛ كما فعلوا في السند.

فعلماء الحديث والفقه من عهد الصحابة فما بعد لم يقصِّروا في فهم المتن، وبذلوا كل عناية في فهمه، فنظروا في الجنايات، وجعلوا إقامة الحدود من حق الحاكم العام، والحدود ترفع الضرر في كل زمان ومكان، وما عداها يسمّى: تعزيراً، وزجراً، وفوضوا أمره للحاكم أيضاً، وتقديره بما يقتضيه الحال، واستنبطوا من القرآن والحديث قواعد عامة تصلح أن تطبق على كل جيل، وهذا الاستنباط متوقف على نظر دقيق في المتن على نحو ما في القياس. ومن هذه القواعد المستنبطة من القرآن والحديث: الضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، واليقين لا يرفع بالشك، والعادة محكمة، والأعمال بمقاصدها، وارتكاب أخف الضررين، والضرورات تبيح المحظورات، والاستصحاب، والاستحسان الذي هو قياس خفي في مقابلة قياس جلي.

ثم إن شرّاح الأحاديث عندما يبحثون في متنها يتعرضون لما يفيده المتن من الإباحة، أو الندب، أو الوجوب، أو الكراهة، أو التحريم، ويتعرضون فيما يفيده الأمر من الإرشاد والإصلاح أو التشريع، ويذكرون أن فعله – عليه الصلاة والسلام – عادي، أو شرعي، وربما اختلف الفقهاء في ذلك حسب اختلاف الأدلة. وقد يتكلم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالحكم مطلقاً؛ مراعاة للغالب، أو لقاعدة سبقت، فيقيده المجتهد بالقاعدة المقتضية لمراعاة المصلحة؛ كما قيد الإمام مالك حديث: “اليمين على من أنكر” بإثبات الخلطة بين المتداعيين؛ إذ الغالب أن من يدعي على أحد من الناس شأنه أن يتصل به اتصالاً يقرِّب دعواه.

وقد قرر علماء الأصول: أن تصرُّف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يكون بالتبليغ، والفتوى، والقضاء، والإمامة، وكل منها شرعي، غير أن الشريعة وكلت للإمام أن يجتهد في تصريف الأمور التي كان يتصرف فيها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بحسب المصلحة؛ كتقسيم الغنائم والإقطاع. وقد يختلف الفقهاء في الواقعة الواحدة هل تصرف فيها النبي – صلى الله عليه وسلم – بصفة الإمامة أو تصرف فيها بصفته مشرّعاً عامّاً؟؛ كإحياء موات الأرض، وإعطاء سلب القتيل للقاتل.

ومن الأدلة على عنايتهم بمتن الحديث: بحثهم في أحاديث تخالف – بحسب الظاهر- الواقع، أو ما عهد في الشرع، فبعضهم يحملها على الوضع من غير نظر إلى سندها، وبعضهم يؤولها على وجوه يدخل بها في الصحيح متناً وسنداً.

ويدل على بذلهم العناية في النظر إلى المتن: بحثهم عن العلة التي روعيت في الحكم الملفوظ به؛ ليفصلوا القياس على قدر العلة المبحوث عنها.

ومن تصرف في متن الحديث هذا التصرف لا يقال فيه: إنه لم يلتفت إلى النظر في متن الحديث.

وسنبحث من بعد – إن شاء الله – في القواعد التي كانت بها أحكام القرآن والحديث كفيلة بمصالح كل زمان ومكان.

  1. مجلة “لواء الإِسلام” – العدد الثاني عشر من السنة الثامنة.
  2. انظر كتاب: “الإِسلام دين عام خالد”.
تعليقات
Loading...