شبكة تحرير وتنوير
منارة للتعريف بالإسلام عقيدة وشريعة وتربية، وفق المرجعية السُنّية المالكية

المقارنة بين الشّريعة والقانون – الشيخ عبد العزيز الزّغلامي

المقارنة بين الشّريعة والقانون[1]

الشيخ عبد العزيز الزّغلامي

     إنّ التّقنين الوضعي هو ما تختاره الجماعة لنفسها لتسير في تنظيم حياتها على ضوئه، وهو وليد الحاجة التي تحسّها الجماعة في محيطها.

       أمّا التّشريع السّماوي فهو الموحى به من الله إلى رسله عليهم السّلام، ليبلّغوه إلى النّاس للعمل بهديه، ويسمّى دينا؛ لأنّه يتديّن به، وملّة؛ لأنّها تملي على النّاس ما يصلح شأنهم في الحياتين، وشريعة أي طريقة مبيّنة ومشروعة ليسار على نهجها.

    ثمّ إنّ التّشريعين يتّفقان في مجموعهما في حفظ مصلحة الجماعة، وصيانة نظامها، وضمان بقائها.

   هذا وإنّ المصدرين الأوّلين للشّريعة يعتبران بمثابة التّشريعات الدستوريّة، حسب التعريف الحديث لدى فقهاء القانون. وأمّا بقيّة المصادر فهي بمنزلة التقنينات العادية.

   أمّا الفروق بين الشّريعة والقانون فسأحاول كشف الغطاء عن بعضها؛ لأنّ الإتيان على جميعها لا تفي به هذه المعالجة.  وإليك بيانها حسب التّرتيب التّالي:

     1 ـ إنّ الكتاب والسنّة   -المصدرين الأصليين – قد شملا أحكاما دستوريّة، كنظام الحكم وأسسه، من الشّورى والعدل والمساواة. كما تعرّضا لكثير من الأحكام الجزئية مثل أحكام البيع، والمواريث، والحدود وغيرها، بينما الدساتير الوضعيّة لا تنصّ على الأحكام الجزئيّة؛ إذ هي من خصائص القوانين العاديّة.

     2 ـ إنّ الأحكام المستمدّة منهما لا تقبل التغيير بحال، إذ أنّها تتّسم بالخلود، لكونها من وضع الحكيم العليم، وليست من وضع البشر حتّى يتطرّق إليها التّعديل أو النّسخ، بعد أن انتهت مراحل التشريع بالنّسبة إليهما، وختمت حين منّ الله علينا بندائه الأخير: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾ [المائدة: 3]، بحيث ما ثبت بالكتاب أو السنّة أو الإجماع، له صفة الاستمرار، ولا يتغيّر ولو تغيّر الحكّام واختلفت أنظمة الحكم، لأنّ النّصوص الشرعيّة لا ترتبط بالهيئة الحاكمة .

      كما أنّ السّلطة التشريعيّة لا تملك حقّ التّشريع فيما يصادم القرآن أو السّنّة أو الإجماع، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾ [الأحزاب:36].

      وإنّما لها أن أن تقنّن على ضوء الكتاب والسّنة، وحسب القواعد العامة، في القضايا التي لم يرد فيها نصّ.

    بخلاف التّشريعات الدّستورية، فلكلّ أمّة الحقّ في تغيير دستورها بمحض إرادتها في كلّ ظرف، وهو أمر مسلّم به من جميع علماء القانون، إذ كلّ القوانين الوضعيّة ـ دستوريّة أو غيرها ـ عرضة للتنقيح أو النّسخ، كلّما عنّ للسّلط التشريعية التبديل أو التغيير. وهو ما يؤدّي طبعا إلى عدم الثّقة بالقانون، وعدم الرّكون إلى سلامة المعاملات التي يقتضيها.

     ذلك أنّ القوانين يضعها، في الغالب، الحكّام لحماية مبادئهم، ولتركيز أنظمتهم، دون مراعاة مصالح الفئات الأخرى، ممّا ينجم عنه إلغاؤها كلّما تغيّر نظام الحكم.

     3 ـ أنّ الشريعة من صنع الله، المحيط بكلّ شيء علما، المطّلع على مصالح العباد، وما كان وما سيكون منها، وما فيه من خير أو شرّ، وهو الّذي يعلم العدل على أتّم وجوهه. فتشريعه هو الضمان الوحيد الّذي يفي بحاجيات النّاس ومتطلباتهم، مهما تعاقبت الدّهور، والعلاج النّاجع لكلّ الأدواء التي تنتاب البشريّة في مراحل حياتها. بالتالي فهو المصدر المعصوم، الّذي لا يضلّ ولا ينسى، ولا يتأثّر ولا يجور. وصدق الله القائل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].

      بينما التقنين هو من عمل الإنسان، وهو وليد بيئة وتاريخ معيّنين، متأثر بالملابسات من الأهواء والانفعالات والنزعات، والنظرة المحدودة للأشياء، فسرعان ما تنحرف به هذه العوامل عن التوازن ومعرفة الحقّ، وهي حقائق لا يخلو منها أي فرد، مهما ارتفع مستواه الذّهني وبلغ من الثقافة مكانا عليّا. ولذلك لا يخلو عمله من نقص مهما حاول نكرانه.

      وإنّ الدّعوة إلى الاعتماد على العقل دون مدد إلهي في حلّ القضايا المصيريّة للإنسانيّة، مثل الوجود ومعرفة الغيب والتشريع، دعوة مردودة لعدم عصمة العقل؛ إذ إطلاق العنان له دون اعتماد على الإشارات التي نصبها مبدع الكون على طريق المسيرة البشريّة في هذه الحياة، يعتبر خطيئة كبرى في حقّ الإنسان.

     وآية ذلك: أنّ العقل مازال لحدّ اليوم ينقض ما أبرمه بالأمس. وكم من عقول تخيّل أصحابها وانتهى بهم الأمر إلى تقديس مظاهر الطبيعة أو ما صنعوه بأيديهم؟

     إنّ الاختلاف الشاسع بين أصحاب المذاهب والفلاسفة في مقاييس الحكم على الأشياء ليقوم به حجّة على ما نقول، وعلى دحض الاعتماد على العقل وحده، وسلامته من الخطأ.

     هذا مع الملاحظة أنّنا لا نرمى من وراء هذا إلى الحطّ من مقام العقل الذي رفع مكانته الإسلام، واعتبره ضرورة دينيّة، وسبيلا إلى الإيمان بالله، ونعمة أفاضها على الإنسان وميزته الخاصّة.

     لم تعرف البشريّة في تاريخها الطويل دينا يعتمد على العقل كما عرفته في الإسلام، الذي حرّره من الأوهام، وأفسح له مجال التّأمّل والنّظر الدّائب في ملكوت الأرض والسّماوات، بحثا عن أسرار الطبيعة، والتّعمّق في الحقائق العلميّة، والانتفاع بما في الكون. بحيث كان نزول القرآن في حدّ ذاته انتصارا لكرامة العقل، لكونه المعجزة العقلية الكبرى للرّسول عليه الصّلاة والسّلام. فآياته الكثيرة كانت تختم بأنّها آيات ﴿لقوم يعقلون﴾، و﴿لقوم يتفكرون﴾، و﴿لقوم يتدبرون﴾، و﴿لأولى النّهى والألباب﴾. وترجع باللاّئمة على المهملين لعقولهم لعدم استعمالها، وتعتبرهم كالأنعام بل هم أضلّ.

      وفي ظلّ الحضارة الإسلاميّة تمكّن العقل البشري من أداء رسالته لمعرفة قضايا الحياة، واستنباط الأحكام على ضوء الأحداث، ممّا يدلّ بوضوح على أنّ النّصوص الشرعيّة لها جذور عقليّة.

     كما احتضن الإسلام في رحلته عبر التاريخ العلم، ودعا إلى طلبه في أوّل آية من القرآن نزولا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:1].

      وأشاد بالعلماء: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18].

      غير أنّ الإسلام عندما يستثير العقل بأن يتحرّك ويمضي، يريد منه أن يكون في رحاب الله، وفي إطارٍ وصلاحياتٍ معيّنة، ليكون إنتاجه رحمة للإنسانية، لا وسيلة شرّ وتدمير، كما هو مشاهد في العصر الحاضر، حين خلا العقل من الحصانة الإيمانيّة، ممّا جعل عقلاء الغرب أنفسهم يرفعون عقيرتهم بالشّكوى من الآثار السّيّئة على الإنسانيّة، من هذه المدنية المادّية الجافّة.

     وبالتّالي فالإسلام يعتزّ بالعقل، من غير أنّ يرفعه إلى درجة العصمة والتأليه، بينما نرى الحضارات الأخرى سواء منها القديمة أو الحديثة قد امتهنته بالمسخ والتشويه، بسدّ أبواب أمامه، أو جعله عبدا أو أسيرا للآلة والمادّة والشّهوة.

     ولجميع ما سلف إيضاحه، فإنّ الإسلام يعتمد في تقرير أحكامه على العقل المستضيء بنور الوحي. وإنّ الخطوط الكبرى في الشّريعة هي الضّمان الّذي يقف في وجه أي انحراف يجرّ الإنسانيّة إليه.

     بخلاف المبادئ الوضعيّة مهما تعاظمت، فإنّها لن تحيط بفطرة الإنسان، ولن تلبي رغبتها وأشواقها. ولذا فإنّ القوانين لن تستجيب لسدّ متطلبات النّاس على اختلاف مستوياتهم وظروفهم، للأسباب والمؤثرات السّالفة الذّكر.

     4 ـ جاء الإسلام بالمساواة بين جميع الفئات منذ نزوله، بينما القوانين لم تدع إليها في أواخر القرن الثامن عشر. كما أنّ الشريعة أوسع نطاقا وأشمل؛ لأنّها تضمّ في رحابها جميع أفعال النّاس، سواء ورد بها النّصّ أم لا؛ إذ من أبرز خصائصها عدم النّصّ على كلّ الجرائم، بل تركت التفصيل للضوابط الشّرعيّة، وهي الأدلة؛ لأنّ القضايا الفرعيّة تتغيّر بحسب الأزمنة، فكان تركها للاجتهاد أدعى إلى مسايرة التّطور وأهدى إلى إقامة العدل، وهو أسلوب حكيم، به وسعت أحكامها جميع النّاس في كلّ العصور.

     أضف لذلك أنّها تضمّ في دائرتها كلّ الأفعال، وبذلك كانت ثروة فقهيّة لا مثيل لها.

    وقد أشاد المنصفون من فقهاء الغرب بهذه الخصوبة، أمثال “كوهلر” الألماني، و”دليفيشيو” الإيطالي، و”ويجمور” الأمريكي… بخلاف القوانين، فلا تعاقب على الأفعال ولو كانت ضارّة، طالما لم يقع حصر الجريمة بالنّص الكتابي، مع تحديد عناصرها وأركانها، وما لم يذكر لا يعتبر جريمة، مهما كان مستهجنا، وهو ما سار عليه خاصة التشريع اللاّتيني، وبهذا كانت القوانين ضيّقة المجال.

     5 ـ إنّ الأخلاق الفاضلة تعتبر في نظر الشّريعة من أولى الدّعائم التي يقوم عليها المجتمع، ولهذا تحرص على حماية الفضيلة، وصيانة المجتمع من الوقوع تحت سيطرة الانحلال الأخلاقي، فتعاقب مرتكبي الرذائل ولو كانت لا تمسّ الأشخاص والأمن؛ لأنّ الأخلاق الحميدة في الشريعة لا يجوز انتهاكها؛ ولأنّ محور الدّعوة المحمديّة يدور في نطاق إتمام مكارم الأخلاق، يقول عليه السلام: «إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق»[2].

   ذلك أنّ القيم الأخلاقيّة هي الأساس الذي تبنى عليه الحضارات، وتصان به المجتمعات من الانهيار، بينما القانون لا يعني بالفضائل ولا بالرذائل إلاّ من خلال النّظرة الماديّة النّاجمة عن ضرر أصحاب الأفراد، أو مسّ الأمن أو النّظام العام. بل إنّ القوانين في كثير من الدّول تحرس الرذيلة، مثل تعاطي المقامرة والخمر والزّنا. وبالتّالي فلا دخل لها في فرض الفضائل والأخلاق على النّاس.

    وقد نجم عن هذا الاتجاه انحطاط الأخلاق إلى أدنى الدّركات فتفشّت الإباحيّة، وظهرت الجريمة ظهورا بيّنا حتّى في أكبر الدّول حضارة، ممّا أدّى بكبير قضاة انجلترا “لورد دفان” أن كتب كتابا بعنوان: “ضرورة فرض الفضيلة على النّاس” طالب فيه بلزوم قيام المشرّع بفرض الفضائل على النّاس، أحبّوا أم كرهوا.

     والذي يخشى منه أمام الموجات العالية الصّاخبة، والتّيّارات المندفعة الجارفة، للقضاء عن القيّم، أن تصبح الإباحية هي القاعدة، والأخلاق الفاضلة هي الاستثناء، وبذلك ينهار صرح الحضارة الإنسانيّة الذي تعاونت على إقامته أجيال كثيرة عبر التاريخ، وهو أمر يدعو إلى الإشفاق حقّا … فلينتبه المصلحون.

     6 ـ لقد احتوى التشريع الإسلاميّ على المعنى الرّوحي الذي يلازم كلّ حكم، فيفضي هذا المعنى على الأحكام والتشريع الطاعة والنفاذ لدى المؤمنين، بالإضافة إلى ما للشريعة من الجهاز الدنيوي كبقيّة القوانين. بحيث يتآزر رادعا الدّين والسّلطان على المراقبة، ممّا يعدّ أقوى العوامل على الطّاعة في السّرّ والعلن، وانتشار الفضيلة، وتقلّص ظلّ الجريمة، والاطمئنان إلى التعامل، بحيث من أفلت من جهاز المراقبة الدنيوية، فلن يفرّ من الرقابة الإلهيّة.

      ومن غير شكّ أنّ القانون لمّا كان لا يمسّ الجانب الروحي، ولا يخالط الضّمائر، فإنّ من خالفه وأفلت من الحراسة البشريّة، فلا يرى حرجا عليه، بل يسعى للتّحيّل على القانون كلّما سنحت له الفرصة، ويعدّ نفسه بارعا وغانما كلّما أمكنه الانفلات من الرقابة البشريّة. ولا يخفى على أولى الألباب ما ينجرّ عن هذا السّلوك من انعكاسات سيّئة على حياة المجتمع.

     وبالتّالي فالمعنى التّعبّدي الرّوحي الذي يلازم الأحكام الشّرعيّة كفيل بتربية الضّمير؛ لأنّ الوازع الدّيني أعظم كفيل بهذه التربية دون سواه.

     7 ـ من خصائص الشّريعة أنّها توجب على القاضي الحكم في الجريمة، متى ثبتت بدون نقص أو زيادة، فلا يستطيع أن يخفّف من العقوبة أو يشدّد فيها لأيّ ظرف من الظروف، كما لا يجوز له العفو على الجريمة أو العقوبة، في الحدود التي نصّت عليها الشريعة، إلاّ في الجرائم التعزيزيّة التي له حقّ الاجتهاد فيها إطلاقا. بخلاف الحال في القوانين، إذ يحقّ للسّلطة المختصّة التشديد أو التخفيف أو العفو عن الجريمة أو العقوبة، مهما كان النوع.

     8 ـ امتازت شريعتنا بأسمى النّظريات منذ نشأتها، ولم يهتد إليها المقنّنون إلاّ أخيرا. والأمثلة على ذكر ذلك كثيرة، منها: نظريّة الإثبات في التّعاقد، فقد فرضت الشريعة الكتابة في التّعامل والالتزامات مهما كان النّوع، و لم تستثن إلاّ التّعامل التّجاري أو حالة الضرورة، والحكمة واضحة من هذا الاستثناء؛ لأنّ المعاملات التّجاريّة تقتضي السّرعة، وهي أكثر عددا وتكرارا، فاشتراط الكتابة فيها يفضي إلى تضييع فرص الكسب على المتعاملين، وإلى المشقّة والحرج المنفيين في الشريعة، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾[الحج:78]، ولهذا لم تقيّد بما قيّدت به بقيّة المعاملات، إذ جميع وسائل الإثبات، بأيّ طريق، تقبل في المادّة التّجاريّة، يقول الحقّ سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا﴾[البقرة: 282].

     فهذه النّظريّة سبقت بها الشريعة القوانين، وأصبحت سائدة في العصر الحاضر.

     ومن ذلك أيضا الدّيون. فقد كانت في القانون الروماني وغيره تناط بذات المدين، فيحبس، ويؤخذ عبدا للدائن عند عدم الوفاء، بينما شريعتنا أوّل من حرّرت المدين، واعتبرت الدّين متعلقا بذمته.  فإن كان قادرا وفّي، وإلاّ أمهل إلى ميسرة. يقول الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:280].

     بل إنّ المدين إذا تداين في غير سرف وعجز، سدّد عنه مال بيت الزكاة، كما هو معلوم في فريضة الزكاة.

     ومن هذا الوادي أيضا نظرية الاعتساف في استعمال الحقّ، والخروج عمّا شرع، وهي المعروفة في الفقه الإسلامي بإساءة التّصرف في الحقّوق، بأن يمارس صاحب الحقّ حقّه بوجه لا يسيغه الشّرع ولا يقرّه، لما فيه من ضرر على الغير.

      فإنّ فقهاء الإسلام هم الذين أفاضوا القول فيها بطريقة مضبوطة، وأجلوا هذه النّظريّة قبل فقهاء القانون بأحقاب، واستندوا في منع التّعسّف لقوله عليه الصّلاة والسّلام: «لا ضرر ولا ضرار»؛ وللقواعد العامة، التي منها: (إنّ الضّرر يزال) ولا أدلّ على ما اذكر ممّا كتبه الفقيه الألماني الشّهير “كوهلر” في مقال جاء فيه: «إنّ الألمان كانوا يتيهون عجبا على غيرهم، بخلقهم نظرية الاعتساف في استعمال الحقّ، وإدخالها ضمن التشريع المدني الألماني .أمّا وقد ظهر كتاب الدكتور محمد فتحي، وأفاض في شرح هذه النظريّة نقلا عن رجال الفقه الإسلامي، فإنّه يجدر بعلماء القانون الألماني أن يتنازلوا عن المجد الذي نسبوه لأنفسهم، ويعترفوا بالفضل لأهله، وهم فقهاء الإسلام، الذين عرفوا هذه النّظرية وأفاضوا في الكلام عنها قبل الألمان بعشرة قرون»  .

      وممّا سلف يتّضح أنّ التشريع الإسلامي مستقلّ عن غيره من القوانين، ولا شبه بينه وبين القانون الروماني، لعدّة أسباب معروفة، بحكم وضع الأمّة العربيّة، وأمّيّة الدّاعي عليه الصّلاة والسّلام، والّذي لا يتّصل بالرّومان إلاّ في سفرته الوحيدة إلى الشّام، وكان صغير السّنّ لم يتجاوز الثانية عشر.

     كما أنّ فقهاءنا ما كانوا يعرفون القانون الروماني ولا درسوه. ولو كان العكس لأشاروا إليه في كتبهم الأمر الذي لم يقع، وهم المعرفون بالأمانة وتحرّى النقل. ولم يثبت أنّهم ذكروا في مصادرهم، ولو بإشارة إلى اقتباسهم بعض النّظريات من القانون الرّوماني.

      أضف لذلك أن الموازنة بين شريعتنا والقانون الروماني، تجلّي لنا حقائق ما كانت معروفة لدى فقهاء هؤلاء الأخيرين، بل إنّها لم تعرف إلاّ أخيرا، مثل: المساواة، وغيرها ممّا سبقت الإشارة إليه.

     ومّما كان سائدا عندهم مثل عقوبة الزّنا، التي كانت الإعدام بالنّسبة للعبيد، دون الأحرار الذين لا يعدوا عقابهم التّعذيب .وكولاية الأب التي تستمرّ على ولده مهما بلغ سنّه، ويعتبر رقيقه، إلاّ أن يمنحه الحرية تفضّلا منه، وليست حقّا للولد .

      وكذلك المرأة تعتبر في رقّ زوجها حتى إنّ له أن يقتلها بدون أن يعاقب، بينما الإسلام سوّى في الحقوق والحدود بين النّاس، يقول عليه السّلام ردّا على أسامة بن زيد بن حارثة، لما أراد أن يشفع لديه في فاطمة بنت الأسود المخزوميّة التي سرقت، حيث قال: «إنّما هلك بنو إسرائيل أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضّعيف أقاموا عليه الحدّ، والذي نفس محمّد بيده لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها».

     كما أنّ الولد يعتبر حرا، وله أهليّة التّصرّف متى بلغ سنّ الرّشد، وأنّ المرأة قد منحها الإسلام حقوقا كاملة، مع مراعاة تكوينها الجسدي والنفسي، واحترام أنوثتها التي حطّمها المجتمع الأوروبي، ودفعها إلى إداسة القيم الإنسانيّة، وأنّها لم تزل في القوانين الأوروبيّة لحدّ الآن تحت الحجر المالي، فلا يجوز لها أن تتصرف في مالها إلا بإذن زوجها.

     ولكن مع الأسف قد حرّفت تعاليم الإسلام من أعدائه وسوء تصرف بعض من ينتسبون إليه، واتخذ ذلك حجّة على الإسلام الذي هو برئ ممّا نسب إليه ظلما وافتراء.

      ولجميع ما سبق فإنّ من يزعم أنّ الفقه الإسلامي متأثر بالقانون الروماني لا برهان له، بل هو مفتر على التاريخ؛ إذ إنّ القوانين الحديثة هي التي تأثّرت بالتشريع الإسلامي؛ لأنّ القانون المدني الفرنسي المنسوب إلى نابليون أخذت لائحته من مذهب الإمام مالك، بشهادة المنصفين من المستشرقين. وأنّ جلّ القوانين الغربية، كما هو معلوم، اقتبست من القانون الفرنسي.

      وعلى هذا الأساس يكون الفضل للشريعة على عموم القوانين الحديثة.

هذه لمحة عن الموازنة بين الشّريعة والقانون

 

[1] – مجلة الهداية، ج4، عدد1، ص89.

[2] ) أخرجه أحمد عن أبي هريرة.

تعليقات
Loading...