شبكة تحرير وتنوير
منارة للتعريف بالإسلام عقيدة وشريعة وتربية، وفق المرجعية السُنّية المالكية

ترجمة الشيخ محمد الجودي

هو: العالم المربي والأستاذ الفاضل بقية السلف الصالح المملوءة حياته الحافلة بالنفع العام والمهتدي بإرشاده وفتاويه في مُدلهمّ الأحكام سيدي ومولاي شيخ الإسلام أستاذي وملقني الشيخ سيدي محمد بن قاضي الجنة والمتدرع بالكتاب والسنة أبي الفلاح الشيخ سيدي صالح ابن أبي الفضل الشيخ قاسم بن الحاج علي بن محمد بن أبي الطيب بن محمد بن سليمان بن أحمد الجودي التميمي القيرواني المولود بالقيروان في الثلاثين من شوال عام ثمانية وسبعين ومائتين بعد الألف والمتلقي لكتاب الله العزيز والمثابر على حفظه وتلاوته عن مؤدبه الشيخ صالح الرزق العوفي ثم عن الشيخ الحاج محمد الزوابي الشريف الحسني القيرواني والمتلقي للعلوم والآخذ لها عن علماء القيروان الأجلاء الأفذاذ فأولهم تلميذ والده القاضي المفتي الشيخ سيدي محمد العلاني والقاضي الشيخ سيدي محمد حمدة بوراس وشقيقه القاضي المفتي الخطيب الشيخ سيدي الحاج محمد الذي كان يحنو عليه حنو الأب الشفوق على ابنه البار والباش مفتي خاتمة المحققين الشيخ سيدي محمد (بالفتح) صدام الشهير الذي كانت له به عناية خاصة ويحثه على ملازمة الدروس وسؤاله كلما قابله عما يشكل عليه في إلقائه وتلقيه ويكشف له النقاب عن ذلك إلى غير هؤلاء من بقية علماء القيروان ومدرسيها ثم عن شموس الكلية الزيتونية أدام الله عمرانها كشيخ الشيوخ وأعز أهل التحقيق والرسوخ الشيخ سيدي سالم بوحاجب وسيدي الحاج الطيب النيفر وسيدي مصطفى بن خليل وسيدي مصطفى رضوان وسيدي حميدة بن مراد والد شيخ الإسلام الحالي والشيخ سيدي محمد النجار والد شيخ الإسلام المالكي فسح الله في عمره وغيرهم ممن يضيق المقام عن تعداد الغالب منهم ولما ملأ وطابه ورجع للقيروان انتصب للإشهاد الذي وليه في حياة والده سنة 1292 وعكف على التدريس احتسابا في الجامع الأعظم في النهار وفي الليل بين العشاءين وخصصه لتدريس الفقه حرصا على نفع تلامذته وعامة المصلين حتى ضاقت رحاب الجامع بكثرة المستفيدين وفي أثناء ذلك ختم كتبا عديدة في فنون مختلفة من توحيد وحديث وفقه عبادات ومعاملات وفرائض فقها وعملا حتى اشتهر ذلك وبلغ المراجع العليا فصدر له أمر عليّ في التدريس بالجامع الأعظم بالقيروان عام1311 وأجري له المرتب كسائر المدرسين أمثاله.

وفي عام 1320 قدّمه نقيب الأشراف إذ ذاك صفوة الخيرة الشيخ سيدي محمد حمدة العواني والد النقيب الحالي للتدريس بالمدرسة العوانية وأجرى له مرتب أمثاله بقي له جاريا حتى لوفاته وفي عام 1323 قدمه شيوخ زاوية سيدي حمد بوكرد التي خلف الزاوية الصحابية بالقيروان وفي عام 1329 ولي الفتوى بالقيروان ثم رياستها عام 1357-1938 وارتحل للحج سنة1331 فحج وزار ودخل بيت المقدس وتنقل في البلاد السورية والشامية وزار مزاراتها الشهيرة واجتمع بعلماء كل مكان تطؤه قدمه واستجازهم وأجازوه وكتبوا له سندهم في تلك الإجازات التي يتعسر التحصيل عليها وجمعها عند الكثير من أمثاله وكلهم ألسنة تثني عليه وتذكر سعة اطلاعه وطول باعه في كثير من العلوم وكثير منهم فرحوا بذلك فيما حرروه من تآليفهم وما سطروه من نفثات أقلامهم وذلك زيادة على رحلاته للبلاد المغربية مثل فاس ومراكش ومكناس وأخذه عنهم سواء بالمشافهة و بالموافقة وبالمكاتبة إذ كلما كاتب عالما من علماء المغرب من محققيها المشاهير وطلب منه الاجازة إلا وأسرع في إجابته لما له من الشهرة هنالك لما يسمعون عنه من علمائهم الذين اجتمعوا به هنالك وفي الشرق ينقلونه إليهم من مباحثهم العلمية والتاريخية بحيث صار معلوما عند جميعهم كواحد من أهل وطنهم ولما خصه الله به من إكرام كل ضيف يحل بالقيروان من أهل العلم من أي قطر من الأقطار الإسلامية ويجدون محله مفتح الأبواب لإيوائهم وجمع كل من ينتسب للعلم للإجتماع بهم ولا تسأل عن المذاكرات والمباحث التي تجري بينهم هنالك بحيث صار محله قلّ أن يخلو من العلماء والمستفيدين من التونسيين وبقية الأقطار الإسلامية ومهما رأى أو سمع بأحد من أهل العلم دخل القيروان إلا وذهب إليه وأرسل له الرسل حتى ينزل بمحله ضيفا كريما مبجلا وهذا أمر مشاهد يعلمه كل من زار القيروان.

ولفقيدنا المأسوف عليه آثار علمية عظيمة منها تأسيسه بجعل خزائن بجامع عقبة حشر إليها كثيرا من الدواوين الفقهية النادرة والتفاسير العظيمة من مختلف العلوم وتباين الفنون وصلت عدتها الآن أزيد عن ثلاثة آلاف مجلد غالبها كتبه حبسها على الجامع الأعظم المذكور والبعض الباقي من فضلاء المتبرعين كالباشا المقدس سيدي محمد الهادي باشا باي رحمه الله وجازاه بنعيم الجنة والمحسن الشهير السيد الحاج محمد بن خليفة وبقية أفراد من أهل الخير والمعينين على العلم.
ومن آثاره العلمية ما تركه بخزانته وهما تأليفان اثنان في التاريخ أولهما صنفه عام 13 سماه مورد الضمآن في ذكر المتأخرين من فضلاء القيروان في مجلدين ضخمين ترجم فيه لثلاثمائة وواحد وسبعين عالما مما أغفله صاحب المعالم وغيره زيادة عما أبان من فيه من تاريخ تأسيس القيروان.

بقلم المؤرخ الشيخ محمد طراد

تعليقات
Loading...