شبكة تحرير وتنوير
منارة للتعريف بالإسلام عقيدة وشريعة وتربية، وفق المرجعية السُنّية المالكية

تطوّر القضاء على يد الإمام سحنون (جزء 1)

تطوّر القضاء على يد الإمام سحنون[1]

(جزء 1)

القاضي أبى الوليد محمود الباجي

 

خلال ثلاثة عشر عاما من سنة 221 هجرية إلى سنة 234 أثرت المدرسة الفقهية الإفريقية بطبقات رفيعة، من العلماء الأعلام، والمجتهدين الأيقاظ، ورجال الفتوى. وبالموسوعات الضخمة التي تتصدر قائمتها الأسديّة والمدوّنة.

غير أنّ دار القضاء الشرعي – وهي مركز الإشعاع الاجتهادي، والعبقرية الحكمية – لم تكن في مستوى ما يجرى في جامع عقبة، وفي المساجد، وقاعات السمر في قصور وبيوت القيروان. لذلك اشتدت نقمة السلك العلمي الذي يتزعمه أبو سعيد سحنون ابن سعيد، على رئيس القضاة الشرعي قاضى الجماعة: ابن أبى جواد، لانحيازه لرأى الأمير في القول بخلق القرآن، ولمحاولة إكراه علماء عصره على مسايرة هذا القول، ولأنه كان يحكم آنا طبق قواعد المذهب الحنفي، وآنا آخر طبق قواعد المذهب المالكي.  واستجاب محمد بن الأغلب لتطلعات المجمع العلمي القيرواني، فقرر في عام 234 عزل ابن أبى الجواد، واعتقله، في انتظار تسليمه إلى القاضي الجديد ليقرر رأى الدّين في شأنه.

وكان المدّ الحضاري يتطلب الوحدة المذهبيّة، ومسايرة الأجهزة القضائية لما بلغته الدولة الأغلبية من رقى ورفاهية وازدهار.

استفتاء المجمع العلمي في اختيار قاضى القضاة

اتباعا للتقليد الذي ابتدعه أمير القيروان، في اختيار أحمد ابن أبى محرز الكناني، عقد الملك محمد بن الأغلب، يوم الاثنين الثالث من رمضان عام 234، في القصر الملكي برقادة، مؤتمرا دعا إليه علماء القيروان ومدرسيها ورجال الفتوى، لأخذ رأيهم في انتخاب قاضي قضاة القيروان، خلفا لابن أبى الجواد. وتكلم في هذا المؤتمر سليمان بن عمران، زعيم أهل المذهب العراقي أتباع الإمام أبى حنيفة، ومن كبار المرشحين للقضاء، فتحمس لاختيار الإمام سحنون. وتكلم عشرات من الأيمة والشيوخ مصرين على أنه لا مجال للاختيار ما دام سحنون على قيد الحياة، فهو المزكى الوحيد من طرف الجميع. وألحّ سحنون في اختيار سليمان بن عمران معتذرا بتقدمه في السن (74 سنة) ولما نزل الأمير عند إجماع أعضاء المؤتمر تقدم سحنون بشروط، تتعلق باستقلال السلطة القضائية، وتساوى جميع المواطنين أمام تلك السلطة، وملاحقة من استثمر حالة الفوضى التي كانت سائدة في عهد ابن أبى الجواد. وقبل الأمير تلك الشروط، فتم إعلان اختياره لقضاء الجماعة.

خصائص المدرسة الفقهية على عهد سحنون

كان لزاما أن ترتفع المدرسة الفقهية على عهد سحنون إلى المستوى الحضاري، وامتداد المملكة العربية الإسلامية الأغلبية إلى ما افتتح من الأقاليم النائية، في صقلية والجنوب الايطالي.

فقد تأسست معامل السلاح، ومصانع البارود والزجاج والبلور والخزف المطلي والفخار والرق والورق، ومعامل النسيج والتطريز، ودبغ الجلود، وصناعات السروج والأحذية، والرقى الزراعي، والتحكم العلمي في المياه السطحية والجوفية، وإقامة الخزانات المائية الكبرى والسواقي والقنوات الضخمة.

ومن جهة أخرى تم تنظيم السلطتين التشريعية والتنفيذية، والمجلس العسكري الأعلى، على امتن الأسس، وبقي جهاز السلطة القضائية في أمس الحاجة إلى التطور. وإلى اجتهاد في الفروع الفقهية يستجيب إلى واقع البلاد، ويملأ الفراغ الذي أحدثه اختفاء أحكام رؤساء القبائل، ورأى المحكمين التقليديين، وأمناء الأسواق.

الخصائص من حيث الإجراءات

جعل سحنون القضاء ثلاث درجات:

الأولى: درجة القضاء الفورى، أو درجة صاحب المظالم. وعهد بهذه المحكمة لقاض له اطلاع واسع في الأحوال التجارية والصناعية، وما جرى عليه العرف في المعاملات والصفاقات. وتحدد اختصاصها الموضعي بما لا تتجاوز أهميته المالية عشرين دينارا في التقاضي المدني. وتقضى هذه المحكمة قارة ومنتقلة، فهي تتبع الخصومة عبر الأسواق والتجمعات، فلا حدود لاختصاصها الشخصي والترابي.

اختار سحنون لهذه المحكمة العلامة الفقيه حبيب بن نصر التميمى، واتسعت صلاحياتها على عهد عيسى ابن مسكين، فأصبح لها الحق في النظر فيما تبلغ أهميته المالية مائة دينار.

الثانية: من درجات الحكم دائرة القضاء البلدي، أو دائرة صاحب الحسبة، ويرجع لهذه الدائرة النظر في المخالفات التي ترتكب ضد المصالح العامة، والصحة، والنظافة، والطرقات العمومية، والمؤسسات ذات الصبغة العامة كالمساجد والمعابد والمعاهد، وضد الأخلاق الفاضلة، وحقوق التجاور والتساكن، والرقابة على المكاييل والموازين ومعروضات الأسواق، من أطعمة وأشربة، وعلى نظام العرض والطلب، وراحة امن السكان.

وكان تعيين حاكم هذه الدائرة قبل سحنون خارجا عن صلاحيات قاضى القضاة ويتولى الأمير بنفسه تعيينه وعزله ومراقبته.

وبذلك استرد سحنون استقلال القضاة، وعمم قضاة الحسبة في أهم العواصم والمدن.

الثالثة: درجة القضاء العالي، وتنظر المحكمة العليا أصالة قي الجنح المستوجبة للتعزيز، وفي الجنايات المستوجبة للحدود، وبصفة أعم، في كل مالا يدخل في اختصاص الدائرتين الأولى والثانية.

وخرج سحنون بدائرته العليا من تحت قباب المسجد، واتخذ دار القضاء العالي في أحد أفنية المسجد ولها باب خارج حرمه.

وأحدث خطة الكتابة العامة لدار القضاء، وعهد بهذه الخطة لزعيم الكوفيين العلامة سليمان بن عمران. كما أحدث ديوان التسجيل، ويتولاه العدول والكتبة، لضبط الاعترافات والأحكام والشهادات والجداول اليومية، لترتيب المناداة على المتقاضين حسب الأسبقية وحالات التأكد القصوى.

الجديد في اجراءات الترافع

أحدث سحنون نظامي الاستقدام الاعتيادي، كتابة ومشافهة، والاستقدام الجبري، بواسطة شرطته القضائية.

كما التجأ الى طريقة القضاء عللى الغائب، منعا لما كان يتخذ من المراوغات والتحيلات.

وأحدث الجدول اليومى للمناداة على الخصوم، وقرر الحالات التي يخرق فيها مبدأ الأولوية بحسب الأسبقية، كحالات العدوان على النفس، وأذون النفقة، وفرض تأمين الأموال والأشياء الثمينة والرسوم والوثائق بدار القضاء، وعيّن لذلك خزائن يشرف عليها أمناء يقع اختيارهم.

عقوبات اجتماعية

– عاقب سحنون لأوّل مرة على سوء الهندام، ووحشية المنظر.

– وأسقط شهادة المترددين بغير سبب شرعي على ديار الأمراء والوزراء من أهل العلم.

– وأدب على الحلف بالأيمان التي لا تجوز، كالطلاق والعتاق ومطلق الحلف بغير الله.

– وشدد العقوبة على المتاجرين بالشهادة، والمتصدين لترويع الشهود وإحراجهم، من أطراف الخصومة.

– وهو أوّل من عاقب الغشاشين والمحتكرين، بعدم مباشرة الحرف الحرة، والانتصاب بالأسواق العامة.

– وهو أوّل من عاقب على عدم تغيير المنكر، وارتكاب الجرائم السلبية.

– وهو أوّل من وظف العقاب على أصحاب الكلاب السائبة، وأرسى الأعوان لمطاردتها.

– وهو أوّل من أدب على لدد أصحاب الأعمال في المسارعة بدفع أجور عمالهم.

– ورفض قبول أي جراية أو منحة من بيت المال على ممارسة القضاء، مكتفيا بإيراده السنوي من الفلاحة والغراسة الذي يبلغ خمسامئة دينار.

المراجع الفقهية

قبل أن يتقلد سحنون ولاية القضاء ورئاسة السلطة الثالثة، قضى أربعين سنة يمارس خلالها التدريس والتأليف والفتيا.

نعلم ذلك من خلال المراسلة التي دارت بينه وبين العلامة عبد الرحمن بن عبد ربه الزاهد. فقد كتب لسحنون فور ولايته الضاء الرسالة الآتية:

“…وبعد فقد كنت تنظر للناس في مصالح أخراهم، فصرت تنظر في مصالح دنياهم فاى الحالين أفضل؟ والسلام

عبد الرحمن”

ورد سحنون ما نصه:

“أما بعد، فان كتابك حائنى وفهمت ما ذكرت، وإني أجيبك بلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، عليه توكلت وإليه أنيب.

أمّا ما ذكرت من أنّي كنت أنظر للناس من مصالح أخراهم، فاعلم انه لا تصلح للناس أخراهم حتى تصلح لهم دنياهم. آخذ لضعيفهم من قويهم، ومن ظالمهم لمظلومهم، وإنى لم ازل مبتلى ينفذ قولى منذ أربعين سنة في الفتيا … فانا منذ أربعين سنة قاض، لان قول المفتى يمضي في إشعار المسلمين وإبشارهم، مع هذا فإنّى قد ابتليت فقدمت جبرا.

فألزم نفسك بالدعاء لي والسلام.

سحنون”

وفعلا فمما أنجزه سحنون قبل القضاء: تحرير ستة وثلاثين ألف مسألة في فروع الفقه. وستة وأربعين كتابا من البيوع منها: كتابان أو ثلاثة أصلها أربعة مسائل من الموطأ.

وحفز ذلك أصحاب سحنون _ على كثرتهم _ وزملائه وتلاميذه، على التصنيف والتأليف. وتفريع أصول الفقه، وشرح الأمهات الفقهية، وكتابة الحواشى، فاثرت بذلك المدرسة الفقهية الإفريقية، وتسابقت العواصم الإسلامية في انتساخ المؤلفات القيروانية وحيازتها ودراستها والاقتباس منها.

وآية ذلك ما ألفه محمد بن سحنون في عدة اختصاصات علمية وتربوية، ولا غرابة فقد بلغ عدد أصحاب الإمام سحنون، من كبار الفقهاء ورجال العلم والتأليف، سبعين عالما، قال عنهم ابن عجلان ((ما بورك لأحد بعد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما بورك لسحنون في أصحابه … إنّهم في كل بلد أيمة)).

وها هو أحد كبار العلماء يصف أصحاب سحنون، وقد جمعتهم حفلة عرس، فكانوا أوّل الليل في قراءة وتعبد وخشوع، ثم أخذوا في مسائل العلم، ثم تفرقوا يصلون، فقال أحد تلامذة الإمام احمد ابن حنبل: ((والله ما رأيت أنبل من هؤلاء وما صاحبوا رجلا إلا نبلوه)).

 – مجلة الهداية، ج3، عدد1،ص76.[1]

تعليقات
Loading...