شبكة تحرير وتنوير
منارة للتعريف بالإسلام عقيدة وشريعة وتربية، وفق المرجعية السُنّية المالكية

تطوّر القضاء على يد الإمام سحنون (جزء 2)

تطوّر القضاء على يد الإمام سحنون[1]

الشيخ  محمود البّاجي

 

    مازلنا نتابع الثورة الإصلاحيّة التي تزعمها الإمام سحنون من عام 234 إلى 240 هجري، وشملت الاجتهاد الذكي في توليد النصّ الفرعي من الأصل النابع مبدؤه من أحد مصادر التّشريع الكبرى. والإجراء القضائي نزولا عند متطلبات التطور الحضاري الذي بلغته البلاد في عهد الدولة الأغلبيّة، ومماشاة للعادات والأعراف المحليّة.

  ولتأمين الثروة الحيوانيّة في الفيافي والقفار اعتمد سحنون شهادة الصبيان والسيّارة عدولا كانوا أو غير عدول على السّارق، إذا عرفوه، وقالوا  :فلان رأيناه سرق دابة فلان.

  وإقرارا لمبدأ المساواة الإنسانيّة قضى بقتل الصّحيح بالمريض، والمقطوع اليدين؛ كما قضى بالإعدام في السّرقة الموصوفة، وقضى على القاتل وهو بحالة فرار، وإذا قدم كان على حجته، ولا تعاد البيّنة التي أقامها أولياء دم المقتول، وقضى بإقامة حد المقذوف على السيّد الذي يقول لعبده  :يا ابن الزاني أو الزانية.

   وذهب سحنون إلى الحكم بالقتل في محاولة القتل، فقال: ومن دخل على رجل في حريمه ليأخذ ماله فهو محارب، وحكمه حكم المحارب. وذهب إلى اعتبار الشّريك في الجريمة كالفاعل الأصلي، فقال: إذا سرق جماعة ما تعاونوا على إخراجه من الحرز لثقله قطعوا كلهم، وإن لم تكن قيمته إلاّ ثلاثة دراهم فأكثر، وكذلك إن حملوه على ظهر أحدهم في الحرز ثمّ خرج به، إذا لم يقدر على إخراجه إلاّ برفعهم معه، ويصيرن كأنهم حملوه على دابة، فيقطعون إذا تعاونوا على رفعه عليه لثقله أو لكثرته، وإن حملوه على ظهر أحدهم، وهو قادر على حمله دونه كالثوب والصرة لم يقطع إلاّ الخارج به، كما لو خرج به دون عونهم ولا يقطع من أعانه.

  هذه النّماذج من أقضية سحنون – والمدوّنة طافحة بأشباهها ونظائرها-  تدلّ على أنّ مسايرة الحكم لما عليه المجتمع كانت هدفا من أهداف قضاء سحنون. وإذا تخلّف القضاء في أي زمان أو مكان عن المستوى الاقتصادي والاجتماعي الذي وصل إليه المتقاضون، فإنّ الأمن يضطرب لا محالة، وتسوء العلاقات التي تربط النّاس بالنّشاط اليومي وبالأسواق العامّة.

  ونظرة واحدة إلى تقرير الثورة العامّة في عصر سحنون، ونسبة الدخل الفردي، وأهميّة الصفقات التجاريّة الكبرى التي كانت تعقد مع صقليّة، ومنها إلى إيطاليا وفرنسا، كما تعقد مع الأندلس وما وراءها تدلّ على ما كان لأقضية سحنون وخلفه سليمان بن عمران من التأثير المباشر على الازدهار الاقتصادي والعمراني، وتأمين حياة النّاس وسير الأسواق والأنشطة التجاريّة.

   ولم يبق مجال لاستفادة شخص أو جماعة من اختلاف وجهات النظر الفقهيّة على حساب المصلحة العامّة، ولو كان هذا الشخص عظيما أو صاحب سلطة، كما كان الأمر في عهد ابن أبي الجواد سلف سحنون، الذي فشت في فترة حكمه المحسوبيّة، وأهدرت مصلحة العامّة، وهي التّهم التي قاضاه سحنون من أجلها بعد تقلده مهام القضاء.

  ونحن نجد في “الأجوبة العظوميّة ” كثيرا من أقضية سحنون التي عدل فيها عن أقوال مدوّنته، اعتبارا للظروف  الزّمانيّة المكانيّة. وسحنون جمع في اعتماد صحة الإقرار بين مقتضيات الإنسانيّة ومتطلبات الأمن العام. فهو يرفض اعتماد الإقرار النّاتج عن ضرب أو تهديد أو إكراه، لكنّه يعتمد إقرار الجاني من أصحاب الشبهات، وهو في حالة إيقاف تحفظي مع اشتراط سلامة ذلك الإقرار من كل الضغوط النّفسيّة والبدنيّة، وهو رأي وسط بين من لا يعتمد الإقرار إلاّ إذا كان تلقائيا، وتكرّر تلقيه عن المقرّ وبين من يأخذ بالإقرار ولو حفت به الضغوط النّفسيّة والبدنيّة.

  واعتماد العرف كيفه قضاء سحنون بما يأخذ بعين الاعتبار ما عليه الوطن الإفريقي من عنصرين متمازجين:

  عنصر عمل أهل المدينة المنقول إلى افريقيّة مع أصحاب مالك والآخذين عنه، أمثال: أسد بن الفرات عبد الله بن غانم والبهلول ابن راشد وعلي بن زياد.

  وعنصر ما درج عليه عليه الأفارقة في ميدان التّعامل، ممّا ورثوه عن العهد البربري، ومؤثرات الحضارتين القرطاجنيّة والبزنطيّة خاصة في أنماط التجارة، ألوان التّعامل الاقتصادي.

    وقد رأينا أنّ مدرسة سحنون الفقهيّة خرجت من النصف الثّاني من القرن الخامس مع الهجرة الجماعيّة التي اضطرت أقطاب هذه المدرسة إلى الخروج إليها من القيروان، أمثال الإمام اللّخمي478، والإمام عبد الحميد الصائغ، أستاذي الإمام المازري 486، وابن محرز، والسيوري، وأبي إسحاق التّونسي، وأبي حفص العطّار، وأبي الطيب الكندي، أبي بكر عبد الرحمن، وأبي عبد الله محمد ابن النّاظور، وأبي الأجدابي، وأبي علي الزيّات البوني، واللبيدي، وأبي عبد الله المكّي، ومكّي القرشي…

  هؤلاء ركّزوا مدرسة سحنون الفقهيّة كتابة ومشافهة، في الأقطار التي هاجروا إليها في إفريقيّة الأندلس…

  يقول ابن ناجي في ذلك:

   ثمّ انقضت هذه الطّبقة بعد الخمسمائة سنة، ولم يبق بالقيروان من له اعتناء بتاريخ؛ لاستيلاء مفسدي الأعراب على إفريقية، وتخريبها، إجلاء أهلها عنها إلى سائر بلاد المسلمين، وذهاب الشرائع بعدم من ينصرها من الملوك، إلى أن منّ الله على النّاس بظهور دولة الموحّدين، فوضّحت بها معالم الدّين، وسبل الحقّ، ورسوم الشّرع، فظهر بإفريقية العلماء والصّالحون. وذلك في سنة الأخماس 555.

  وهكذا تجددت مناهج مدرسة سحنون الفقهيّة، بقيادة المدوّنة، وماجاء بعدها من الأمّهات.

  وقد خصّص أبو العرب التميمي مدرسة سحنون بكتاب أسماه “فضائل سحنون”، وجاء هذا الكتاب متمما لتوأمه ” فضائل مالك”. وقد توفي أبو العرب سنة 333هجري، وكان لفتاواه الفضل في تركيز المدرسة السحنونيّة في شطر الأول من القرن الرّابع.

 وكلّما تطوّرت الحياة العامّة في إفريقيّة نحو الرفاهيّة والتّمدن، كان الرّجوع إلى آراء المدوّنة ضروريا، كما حدث في الرّجل الذي سقته زوجته سمّا، فاسودّت أو اخضرّت سنّه، وأثّر ذلك على جماله فقط، فسحنون يرى أنّ عليها في ذلك الديّة، في مقابلة فساد جمال الرّجل، ورأي غيره عدم وجوب الديّة.

  ويشهد التّاريخ أنّ القاضي الطبني الذي شارك سحنون في القضاء، لم تغيّر آرؤه العشوائيّة من قوة مدرسة سحنون، وأنّ وجود سلفه: سليمان ابن عمران ثلاثين سنة في مقعد القضاء إلى تاريخ وفاته 270هجري، وأبي العباس عبد الله أحمد بن طالب التميمي، ومحمد بن عبدون المتوفى عام 297 هجري، من أكبر العوامل على ترسيخ فقه القضاء المالكي، تطبيقا واعتمادا، قبل أن يبدأ الصراع العنيف بين التّحكم الشيعي بواسطة المروزي والقاضي النعمان، وبين مدرسة مالك التي جددها، ومنحها خصائصها فقه المدوّنة وآراء سحنون، ومن جاء بعده.

  وبعد فهل تتيح لنا هذه الاستشهادات الخاطفة القول: بأنّ من أسباب انتشار المذهب المالكي في الديار الإفريقيّة، وحتّى الأندلس مع بعدها عن دار الهجرة -التي هي منطلق المذهب، وموطنه الأصلي- التطور الذي طرأ عليه بفضل المدوّنة، جهود الإمام سحنون وتلامذته العلماء الأعلام، بالإضافة إلى المجهود الذي بذله الشيخ علي بن زياد.

وكان للموطأ في عهد الموحّدين مركزه العظيم في الدراسة والقضاء والفتوى.إنّه رأي له ما يؤيده في كتب التّاريخ وفي كتب النوازل وفي الأمّهات الفقهيّة، التي حفل بها المجمع التشريعي التونسي والمغربي، والتي أنجبت فيما بعد أمثال المشرّعين الكباراللّخمي، وعبد الحميد الصايغ، وابن عبد السّلام، وابن عرفة، والبرزلي، والأبيّ…

 

[1] – مجلة الهداية، ج4، عدد2، ص42.

تعليقات
Loading...