شبكة تحرير وتنوير
منارة للتعريف بالإسلام عقيدة وشريعة وتربية، وفق المرجعية السُنّية المالكية

حجَّة الإسلام الغزاليّ

حجَّة الإسلام الغزاليّ (1)

هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الغزالي.
ولد في “طوس” سنة 445، وتلقى العلم في بداية أمره على الأستاذ أحمد بن محمد الراذكاني، ورحل إلى “جرجان”، فأخذ عن الأستاذ أبي نصر الإسماعيلي، وعاد إلى “طوس”، فمكث بها نحو ثلاث سنين، وسافر إلى “نيسابور”، فاختلف إلى دروس إمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك ابن أبي محمد الجويني، وصرف همته في طلب العلم، فظهر نبوغه في أقرب وقت، وصار من الأعلام المشار إليهم بالبنان في حياة أستاذه إمام الحرمين، ولم يزل ملازمًا له إلى أن توفي سنة 478.
وخرج أبو حامد من نيسابور إلى “العسكر” حيث يقيم الوزير نظام الملك، فعرف الوزير قدره، وأقبل عليه باحتفاء، وصار فيمن يحضر مجالس الوزير من أفاضل العلماء، وظهر علمه، وعلا ذكره، فولاه التدريس بمدرسته النظامية ببغداد سنة 484، فانتقل إلى بغداد، وأقبل على التدريس، فامتلأت قلوب أهل العراق بالإعجاب به، وسمت عندهم مكانته، وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق، ولم يكن منه إلا أن نبذ الدنيا وراء ظهره، ولاذ بالزهد سنة 488، فرحل من بغداد إلى الحجاز، فأدى فريضة الحج، وتوجه إلى

الشام، فأقام بدمشق مدة، وانتقل منها إلى بيت المقدس، وبقي في تلك الديار نحو عشر سنين ألف فيها كتبًا قيمة، منها: كتاب “إحياء علوم الدين”.
ثم قصد مصر، فأقام بالإسكندرية حيناً يقصد – فيما يقال – الركوبَ في البحر إلى بلاد المغرب للاجتماع بأمير المسلمين يوسف بن تاشفين، ولما بلغته وفاته، عدل عن السفر، ورجع إلى بغداد، وألقى بها دروسًا، ثم انتقل إلى خراسان، وتولى التدريس بالمدرسة النظامية في “نيسابور”، وعاد بعدُ إلى بلده “طوس”، واتخذ خانقاه للصوفية، ومدرسة لطلاب العلم، وكان يقضي أوقاته في تلاوة القرآن، ومجالسة أهل التقوى، والجلوس للتدريس، إلى أن توفي سنة 505 خمس وخمس مئة، ودفن بظاهر الطابران (إحدى بلدتي طوس).
ولم يسلم الغزالي في حياته مما يبتلى به أكثر الراسخين في العلم من مناوأة جاهل لا يقدر الرسوخ في العلم قدره، وسعاية زائغ عن الرشد يحرق فؤادَه دعوةٌ إلى الحق خالصة القصد، قوية الحجة، مثل دعوة الغزالي. وقد أشار الحافظ ابن عساكر في كتاب “تبيين كذب المفتري” إلى ما كان الغزالي يقاسيه من مناوأة الخصوم، والسعي به إلى الملوك، وأن الله حفظه وصانه عن أن تنوشه أيدي النكبات، أو ينتهك ستر دينه بشيء من الزلات.
وقد أطنب الكاتبون في الثناء على أبي حامد، وبسطوا الحديث عن حياته العلمية، وكتفي هنا بثناء أبي بكر بن العربي عليه في كتاب “قانون التأويل” إذ يقول: “ورد علينا- أي: في بغداد – ذانشمند – يعني: الغزالي -، فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية، معرضاً عن الدنيا، مقبلاً على الله تعالى، فمشينا إليه، وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا التي كنا

ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة، وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن “الخبر على الغائب فوق المشاهدة” ليس على العموم، ولو رآه علي بن العباس لما قال:
إذاما مدحت امرأً غائباً … فلا تغلُ في مدحه واقصد
فإنك إن تغلُ، تغل الظنو … ن فيه إلى الأمد الأبعد
فيصغر من حيث عظَّمته … لفضل المغيب على المشهد
وذكر في كتاب “القواسم والعواصم” بعد الحديث عن مسألة كشف الغيوب، فقال: “فاوضت فيها أبا حامد الغزالي حين لقائي له بمدرسة السلام في جمادى الآخرة سنة تسعين وأربع مئة، وقد كان راضَ نفسه بالطريقة الصوفية من سنة ست وثمانين إلى ذلك الوقت نحواً من خمسة أعوام، وتجرد لها، واصطحب مع العزلة، ونبذ كل فرقة، فتفرغ لي بسبب بيناه في ترتيب الرحلة، فقرأت عليه جملة من كتبه، وسمعت كتابه الذي سماه “الأحياء لعلوم الدين”، فسألت سؤال المسترشد في عقيدته، المستكشف عن طريقته، لأقف من سر تلك الرموز التي أومأ إليها في كتبه على موقف تام المعرفة، وطفق يجاوبني مجاوبة الفاهم لطريق التسديد للمريد؛ لعظيم مرتبته، وسمو منزلته، وما ثبت له في النفوس من تكرمة، فقال لي من لفظه، وكتبه لي بخطه: إن القلب إذا تطهر عن علاقة البدن المحسوس، وتجرد للمعقول، انكشفت له الحقائق، وهذه أمور لا تدرك إلا بالتجربة لها عند أربابها؛ بالسكون معهم، والصحبة لهم” إلخ.
للغزالي مؤلفات كثيرة، ومن أنفس ما خطته يده كتاب “الإحياء”، وقد ألف الغزالي هذا الكتاب بعد أن درس الفلسفة، واستقصى ما عند أهلها، ويعد

أن أقبل بهمة على طريق الصوفية، فطالع كتبهم؛ مثل: “قوت القلوب” لأبي طالب المكي، وكتب الحارث المحاسبي، والمتفرقات المنثورة عن الجنيد، والشبلي، وأبي يزيد البسطامي، وظهر عنده أن لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى، ثم واظب على العزلة والخلوة.
فلا عجب أن يبلغ كتاب “الإحياء” في الغوص على أسرار الشريعة، والبحث عن دقائق علم الأخلاق وأحوال النفس، غاية بعيدة، فكتاب “الإحياء” من صنع عقل نشأ في قوة، ورسخ في علوم الشريعة، وخاض في العلوم العقلية، فوقف على كبيرها وصغيرها، وفرق بين سليمها ومعيبها، وخلص بعد هذا من كدور الهوى، وظلمات الحرص على عرض الدنيا.
وقد كان الناقدون لكتاب “الإحياء” يعيبونه بما احتواه من بعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، وربما اعتذروا عن مؤلفه بأنه لم يكن طويل الباع في علم الحديث، بل نقلوا عنه أنه كان يقول عن نفسه: “أنا مزجي البضاعة في علم الحديث”.
وقد قام بإصلاح هذا النقص الحافظ العراقي، زين الدين عبد الرحيم، فألف في تخريج أحاديثه كتاباً في مجلدين، ثم اختصره في مجلد سماه “المغني عن حمل الأسفار في الأسفار”.
وإذا وجد العلماء في كتاب “الإحياء” مآخذ معدودة، فإنه من صنع بشر غير معصوم من الزلل، وكفى كتاب “الإحياء” فضلاً وسموَّ منزلة أن تكون درر فوائده فوق ما يتناوله العد، وأن يظفر منه طلاب العلم وعشاق الفضيلة بما لا يظفرون به من كتاب غيره، {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269].

 

__________
(1) مقدمة كتاب “إحياء علوم الدين”.

تعليقات
Loading...