شبكة تحرير وتنوير
منارة للتعريف بالإسلام عقيدة وشريعة وتربية، وفق المرجعية السُنّية المالكية

شيخ الإسلام سالم بوحاجب

     هو شيخ الإسلام سالم بن عمر بوحاجب المولود بقرية بنبلة من قرى المنستير، وكانت ولادته سنة 1244هـ/1829م. تلقّى تعليمه الإبتدائي هناك وحفظ القرآن الكريم ثمّ انتقل إلى الحاضرة فدخل جامع الزيتونة في أواخر سنة 1258هـ حيث أقبل على طلب العلم فتميّز باكتمال الذكاء وقوّة الحافظة. وانقطع إلى شيوخ هم أقطاب العلم في ذلك العصر، فأخذ عن العالم الصوفي الشيخ محمّد ابن ملوكه بزاويته خارج باب القرجاني، وحضر درس الموطّأ على العلاّمة الصالح شيخ الإسلام سيدي إبراهيم الرياحي بسقيفة داره، وأخذ علوم العربيّة عن الأستاذ المحقّق سيدي محمّد ابن عاشور المشهور بحمدة ولازمه في الجامع وفي زاوية جدّه خارج باب مناره، وعن شيخ الإسلام محمّد معاوية.

     وأخذ العلوم الشرعيّة عن العلاّمة المفتي الشيخ محمّد الخضار والعلاّمة شيخ الإسلام محمّد ابن خوجه، العلاّمة قاضي الجماعة محمّد النيفر. وقد كان ذكاؤه العجيب واعتناؤه النّادر ومحبّته في البحث حتّى اشتهر في الأوساط العلميّة كافة وأشير إليه بالنبوغ وعلوّ المنزلة العلميّة.

     تصدّى لتدريس العلم بجامع الزيتونة في سنة 1265هـ إلى 1330هـ، فكان تدريسه أوّلاً تطوّعاً، ثمّ سمّي مدرّساً من الطبقة الثانية سنة 1275هـ، ثمّ مدرّساً من الطبقة الأولى سنة 1281هـ. وقام في خلال الزمن الطويل بتدريس كتب مهمّة مثل الموطّأ وصحيح البخاري، وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب الأصلي، وشرح الأشموني على ألفيّة ابن مالك، والمزهر للسيوطي.

     فقد كان في تدريسه معرضاً عن كثرة النّقول، ميّالاً إلى تحقيق الغايات والأسرار من المسائل العلميّة، مستقل الفكرة في بحثه، ولوعاً بمناقشة الآراء واستنباط الأفكار وابتكار الأنظار. وله قوّة نقدية خارقة للعادة سمت بها منزلته العلميّة. وتضاعفت قيمة دروسه، فكان الطالب يجد فيه مؤلفاً محقّقاً للعلم لا مدرّساً موصلاً إلى كلام غيره من العلماء. فكان من أوّل المندّدين على ما أصبح عليه متأخّروا الفقهاء من التمسّك بظواهر النّصوص ومن الدّاعين إلى تحقيق النّظر في مقاصد الشريعة وتطبيقها على الأحوال الحاضرة. فلذلك أظهر انتصاراً قويّاً لإدخال العلوم الرياضيّة والطبيعيّة في برنامج التعليم بالجامع الأعظم، فأيّد في هذا السبيل تأسيس الجمعيّة الخلدونيّة.

     وقد زاد في اتساع نظره وبعد غوره سعة رحلته في المشرق والغرب، فقد رحل إلى الآستانة وإلى أوروبا. فكانت اقامته الطويلة في أوروبا وتردد بين أقطارها فاتحة لنظره اليقظ لحقائق الأمور، وباعثة له للعمل لإنهاض الفكر الإسلامي.

     تقلّد الشيخ خطّة الفتيا المالكيّة سنة 1323هـ وتدرّج في سلمها حتى بلغ مقام مشيخة الإسلام في رجب سنة 1337هـ وأقام عليها إلى وفاته في ذي الحجّة سنة 1343هـ. فتوفّي عن تسع وتسعين سنة كامل الصحّة موفور النعمة ثابت الحفظ إلى أواخر حياته رحمه الله رحمة واسعة، ونفعه بما بث من العلوم النّافعة.

 

اختصار من “كتاب تراجم وأعلام” للشيخ الفاضل ابن عاشور

تعليقات
Loading...