شبكة تحرير وتنوير
منارة للتعريف بالإسلام عقيدة وشريعة وتربية، وفق المرجعية السُنّية المالكية

قاعدة سدّ الذّرائع في الفقه المالكي – الشيخ محمد الأخوة

قاعدة سدّ الذّرائع في الفقه المالكي[1]

فضيلة الشيخ محمّد الأخوة

إن شرع الله كما هو معلوم وجليّ قد بني على جلب المصالح ودرء المفاسد، وهما يتمثلان في أهداف أصليّة يظهر توجّه حكم الله إليها، وذلكم هو المعنيّ بمآلات الأشياء، وهذه تحصل بأمرين اثنين وإن شئت قلت بمطلوب مهمّ (من فعل أو ترك)، وبما يتمّمه أو بما يتوقّف عليه، وعلى هذا قيل في الأحكام الشرعية هي مقاصد ووسائل.

والشّارع الحكيم المصدّر للحكم الشّرعي يرعى حال عباده، فيترفّق بهم، فيرِدُ عنه النّص على الوسيلة کالنّص على المقصد في حال شدّة الطلب للمقصد، وهو لا يتمّ إلاّ بوسيلته، وذلك كطلب عمود الدين وهي الصّلاة وطلب شروطها التي لا يعتدّ إلاّ بها.

وتارة أخرى يكلّ اعتبار الوسائل إلى ظهورها، وبناء المقصد عليها، فيرد النّصّ على حكم المقصد دون النّص على وسيلته، مثل طلب وجوب العمل والاكتساب دون النّص على تحصيل أسبابه وطرقه العينية، وكمثل الرّبا الممنوع باليقين؛ لأجل التعدّي على حرمة مال المسلم، دون التّنصيص على وسائله المفضية إليه.

ومن ثمّ قرر علماؤنا ـ عظّم الله حسناتهم ونور روضاتهم بما يُعلي من درجاتهم ـ: أنّ الفعل المقدور للمكلّف الّذي لا يتمّ الواجب المطلق غير المقيّد بما يكون به واجباً، يكون ذلك عند أكثر العلماء واجباً، كوسيلة السّعي إلى الجمعة وإحضار الماء للطّهارة، أمّا إن كان المطلوب مقيّداً بما يعود به واجباً فلا يجب تحصیل ما قيّد به، کمخاطبة المكلف بالزّكاة بشرط بلوغ النّصاب فلا يجب تحصيله وجمعه إجماعاً. ومن هذه المشكاة ما تقرّر من أنّ ترك المحرّم إن كان لا يتحقّق إلاّ بترك غيره ممّا هو جائز وجب ترك الجميع، كماءٍ جرت فيه نجاسة حتى عاد غير طهور، اشتبه بماء طاهر طهور، وجب تركهما حتّى يتبيّن الخبيث من الطّيب، ومن اشتبهت من تحلّ بزواج أو ملك يمين بأجنبية لا تحلّ حُرِّمتَا عليه حتى يتبيّن الحلال من الحرام.

على هذا الاعتبار والقصد تتجلّى الوسائل والذّرائع الّتي تُفضي إلى غايات وأهداف قد يرضى الشارع ببعضها ولا يرضى بغيرها، وتأتي القولة المشهورة “الوسيلة تعطي حكم المقصد”، وما الذّرائع (جمع ذريعة) إلاّ ما يتوصّل بها إلى غيرها. بهذا المنظار الواسع الذي انبنى عليه شرع الله لعباده، لا جرم أن تتّفق كلّ المذاهب الإسلامية على هذا الأساس الأقوم دون منازع يذكر.

وبناء على هذا جاء تنويع الذّرائع إلى أقسام ثلاثة:

[النّوع الأوّل]: ما أُجمع على سدّه، کالمنع من سبّ الأصنام عند من يعلم أو يظنّ أنّه يجرّ إلى سبّ الله تعالی سبحانه وتقدس عن ذلك، وكحفر الآبار في مكان عام يُعلم أو يُظنّ ما ينجرّ عنه من مفسدة، أو نحو إلقاء السّموم أو ما يسبّب الأوبئة فيما يتناوله النّاس من طعام أو شراب إذا عُلم أو ظُنّ ذلك، وكبيع الأسلحة للمسلمين الّذين بينهم افتتان فيؤدّي ذلك إلى مزيد إشعال نار الفتنة بينهم، وکتهيئة أماكن لبيع المرطّبات الّتي كثيرا ما تقصد لتناول طعام شيء منها داخلها، فبإجماع يجب غلقها في نهار رمضان؛ لأنّها ذريعة مؤدّية ومعينة على الفطر وانتهاك حرمة الصّيام، والأمر بفتحها أمر بانتهاك حرمة الصّوم، والانتهاك من أعظم محاربة حدود الله تعالى وتعدّيها، (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[البقرة229]، ومن هذا الانصهار في دنيا الكفرة والملحدين، والانضواء تحت رايتهم، واتّباع خطاهم وسياستهم، والائتمار بأمرهم والانتهاء بنهيهم، فإنّما ذلك هو الخسارة بعينها، وجلب السّوء من بهرجة حياتهم، دون حصول النّفع الحقيقي من صداقتهم.

وصدق الله إذ يقول: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ)[هود: 113] فحذار معاشر المسلمين من الاكتواء بنارهم، وكفانا حرقاً وبعداً عن السّعادة ما جرّبناه طيلة قرون خوالي من استعمار مكشوف وآخر مستتر، فلا نجاح لنا ولا سعادة إلاّ بشدّ الأزر وجدّ الجدّ متّكلين على أنفسنا دون رجاء حماية أعدائنا، إذ كيف نرجو من عدونا حمايتنا وكلاءتنا، في حال أنّه لا يضمر لنا إلاّ السّوء، ومن قبل قيل: “كلّ عدوّ ترجو مودّته إلاّ عداوة من عاداك في الدّين”، مصداق هذا قوله جلّ وعلا: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)[البقرة: 120].

غير أنّ هذا لا يمنعنا بحال من مخالطتهم دنیوياً، حيث نأخذ ما عندهم وننتفع بما هم عليه من حضارة الحياة، بعد تصفيتها ممّا شابها من كلّ ما نهى عنه شرعنا، فلتحريك الاقتصاد نبيع منهم ونشتري، ونقتبس وسائل الحياة المطهّرة من الخبث والرّجس، ولا نبقى منزوين على أنفسنا قانعين بالدّون من وسائل عيشنا بدعوى الخوف من مكرهم حيث يدسّون لنا السّم في الدّسم، فهذا الاعتبار لغو ولا اعتداد به، وإلاّ فكيف نتفاعل مع مثل قوله تعالى : (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[الممتحنة : 8، 9].

نعم إنّ الانسياق في تيّاراتهم والانضواء تحت راياتهم وتقمّص المسلمين لبوس الكافرين بكل إيجابياته وسلبياته هو المحذر منه في غير ما آية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) [آل عمران: 100].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً) [النساء: 144].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [المائدة:51]

النّوع الثّاني من الذّرائع: ما أُجمع على عدم سدّه، وأُلغي احتمال وقوع الضّرر منه، فلم يلتفت إليه؛ لأنّه يؤدّي غالبا إلى مصلحة عظمى مفضّلة مطلوبة بل هي من مقاصد الشّرع، فيكون الوضع هنا هو من مقاصد الشّرع، فيكون الوضع هنا هو اتّباع المصلحة الرّاجحة في مقابل مفسدة مرجوحة، ولا يخفى أنّ الاعتداد بالرّاجح هو الواجب في مقابل إهمال المرجوح.

ومثال هذا: غراسة الكروم فقد تكون تلك ذريعة لوجود الخمر، ولكن ذلك مقابل بازدهار الغراسة والاستفادة بالمباح منه، الأكل الحلال واستعمال الخلال وما إلى ذلك، ونهضة الاقتصاد بما ينفع العباد والبلاد، ومن مقاصد شرعنا اکتساب المال والحفاظ عليه؛ إذ قد اعتبره من كلياته الخمسة الضّرورية الّتي لا سعادة إلاّ بها، والخسارة في إهمالها أو في شيء منها.

ومن أمثلة هذا النّوع التّجاور بالمسكن الأمر الذي قد يسهّل الخنا، فهذه ذريعة مهملة، أي: لم يمنع شرعنا من التّجاور، وطلب منّا الانزواء وسكنی الفيافي والقفار، بل حثّ على العمارة والإسكان والتّجاور في البنيان، وحاط ذلك بسياج من الأحكام الأخلاقية الّتي إذا اتّبعت سادت المجموعات المتساكنة المتجاورة، وازدهرت الأرض بحضارتها، وسعدت العواصم والبلدان بعمرانها وأهليها، وشيء من التّأمّل بل لفت نظر إلى القرآن المجيد، ممّا أقرّه ونظر إلى بهجته من عواصم في هذه الدّنيا وما يتبعه من عمرانها کمكة أم القرى، وكمصر وحضارتها، وكفارس والرّوم، وكلّ ما ينضوي تحت هذا العموم فلم ترد ولو إشارة واحدة إلى التنفير عن أصل التّجاور، والتحام المساكن.

ومن أمثلة هذا النّوع أيضا، وهو ظاهر، ما طلبه الشّارع من إقامة شعيرة الحجّ أو نسك العمرة، بين العموم من النّساء والرجال، ولم يراع أنّ ذلك قد يؤدّي إلى الاختلاط المريب، الّذي في مقابله إبراز التعلّق بربّ الأكوان وإيجاب تلبية دعوته، بما في ذلك الائتمار والانتهاء بأمره ونهيه، وترقّب جزيل أجره وتجديد العهد مع ربنا الكريم. (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)[الحج: 27، 28].

ومن هذا القبيل التّجمّع الجماعي المطلوب في صلاة العيدين في المصلّى، وهو التجمهر لله تعالى والتعلّق به، المشار إليه بمشاهدة دعوى الخير بحضور مجمع المسلمين، فإن أدى إلى شرّ منع ارتكابه، فلم يعتبر التجمّع وسيلة يجب سدّها ابتداء، فعلى هذا كلّ اختلاط بين الذكور والإناث إذا كان بريئاً ولا يخشى منه عواقب وخيمة تنجر عنه لا يمنعه الشّرع، وعلى هذا جاء الحديث الشريف: «لا تمنعوا إيماء الله مساجد الله».

القسم الثّالث: ذرائع اختلف في سدّها العلماء، كحكم القاضي بعلمه فإنّه قد يجرّ إلى جوره. جاء في البداية ما ملخّصه: أنّ القاضي يقضي بعلمه في التعديل والتجريح للشّهود، فذريعة الجور هنا ملغاة لما يترتّب على اعتبارها من تعطيل الحكم بل توقّفه، حيث يؤدّي إلى تسلسل في شهادة الشّاهد إلى غير نهاية، وفي هذا ضرر لا يخفى. ومن هذا العلم بالإقرار أو الإنكار من الخصم فقَبِله الجمهور ولم يقبله الإمام مالك، بل رآه ذريعة إلى الشّرّ، فشرط حضور شاهدين لديه حتى لا يحكم بعلمه، كما كان الخلاف على أشدّه في حكم القاضي بعلمه دون بيّنة أو إقرار، فقال مالك وأكثر أصحابه ومثلهم أحمد رضي الله عنهم: لا يقضي إلاّ ببيّنة أو إقرار دون ما في علمه، وعمدتهم في هذا حدیث معمر عن الزّهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: أنّ النّبيّ صلّى الله عليه و سلم بعث أبا جهم على صدقة، فلاحاه رجل في فريضة فوقع بينهما شجار، فأتوا النّبيّ صلّى الله عليه و سلم فأعطاهم الأرش، ثمّ قال عليه السّلام: “إني خاطب النّاس ومخبرهم أنّكم قد رضيتم، أرضيتم؟” قالوا: نعم فصعد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنبر، فخطب النّاس، وذكر القصّة، وقال: “أرضيتم؟” قالوا: لا، فهمّ بهم المهاجرون، فنزل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأعطاهم؛ أي: على رؤوس الأشهاد. ثمّ صعد المنبر فخطب ثمّ قال: “أرضيتم؟” قالوا: نعم. فهذا واضح أنّه عليه السلام لم يحكم بعلمه.

وقال أبو حنيفة والشّافعي رضي الله عنهما: للقاضي أن يقضي بعلمه، وعمدتهما في هذا حديث عائشة في قصّة هند بنت عتبة بن ربيعة مع زوجها أبي سفيان بن حرب رضي الله عنهما، حين قال لها عليه الصّلاة والسّلام، وقد اشتكت أبا سفيان: “خذي ما يكفيك وولدك بمعروف”، دون أن يسمع قول خصمها؛ أي : ودون بيّنة أو إقرار، والعقل يؤيّد هذا الرأي، إذ قد وقع الاتّفاق على قبول قول الشّاهدة المؤدّي إلى الظّنّ فأحرى أن يستند الحاكم على علمه الذي هو يقين عنده.

ولمزيد التّحرّي خصّص الإمام الأعظم أبو حنيفة رحمه الله تعالى أنّ القضاء بالعلم في غير الحدود، لمزيد الاحتياط، وبخصوص ما علمه في القضاء لا بما علمه قبل القضاء، وبهذا أخذ بعض المالكية فقالوا: يقضي بما سمعه في المجلس ولو لم يشهد عليه، ومعنى هذا ضعف التّهمة، فمصلحة فصل الخصام دون إطالة، وتوقّف ذلك على وسائل الإثبات التي من شأنها طول الزّمان بضرب الآجال وما إليها هي مصلحة راجحة، في مقابل تهمة مرجوحة هي قضاؤه علی جور لاستناده إلى يقين بعلم حصل له في مجلسه. فالّذي يظهر من بناء المذهب المالكي على سدّ الذّرائع إنّما هو فيما تقوى فيه التّهمة في قصده فتمنع عند إمام دار الهجرة وسيلته وذريعته، وهذا يتمثّل ويبرز فيما لاخفاء فيه في رغبة النفوس في تعاطي الرّبا لترويج المعاملات ودورانها، ولما جبلت عليه هذه النفوس من الرّغبة في المال من سائر وجوهه دون تحرّ واستبراء لدين الله، ومن أجل ذلك وقد سبق في علمه تعالى، ما يسعى إليه عباده من التّلهّف على الدّرهم والدّينار من غير استبراء ما ينجي مما يوقع في النّار، جاء القرآن المجيد فاصلاً الحقّ عن الباطل، باتاً الحكم بما لا يترك مجالاً لأيّ تأويل من عاقل، فيقول العليّ القدير: (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)[البقرة: 275].

والمقابلة بين حلّية البيع وحرمية الرّبا يتّضح بها أنّ المعاملة التعويضية مقصودة الانتفاع بربح ما يقصد من البيع، فكان ذلك عين الحلال، والقرض لیس مبنيّا على النّتاج المادّي بل هو من أجل الإسعاف والمواساة، وما كان كذلك لا يكون بحال مطيّة لكسب الرّبح والانتفاع المادي، بل هو لإسكان النّفس وطلب المثوبة والأجر، وعكس هذا الوضع معاكسته لحقائق أرادها الله أن تسود بین عباده، وأن تبنى عليها حياتهم ليهنأ تجمّعهم وتتآخی نفوسهم، والرّبا يبطل وضع الله ويغيّر من معناه، ومن هنا كان تعاطي الرّبا حربا مع الله؛ أي: على أحكامه إرادة نقضها وقلب أوضاعها : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)[البقرة: 278، 279].

من هذا المجهر الكاشف عن مقصد الشّارع من منع الرّبا المزيل للرحمة والمواساة، المعلّم بتعاطيه الكسل والقعود عن العمل، النّاشر للعداوة والمشاكسة عوض المروءة والتّراحم، فمنذ أن انتشر الرّبا مات الاقتراض والسّلف، وقست القلوب فلا راحم لملهوف إلاّ في مقابل دريهمات، وعندها حسد الفقير وذو الحاجة المنعم عليه، فقامت المشاكل الاجتماعية وبرزت للوجود المذاهب الهدّامة كالمركسية والشيوعية فكانت ربيبة المعاملات الرّباوية النّاتج عنها كل سوء ورزية؛ إذ الخبيث لا يلد إلاّ خبيثا أو أشد منه رزية (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً)[الأعراف: 58] والرّبا قلب للأوضاع فصير المبني على الرحمة مبنياً على المماكسة والوقوف عند تبادل المنافع حتى عادت العقول لا تفكر إلاّ في النّفع المادّي، وانطفى المعروف والخير بين الناس، فعادت نتيجته خراباً ودماراً عند كلّ ذي إحساس.

ورحم الله إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه، کم کان غوّاصاً في الكشف عن مقاصد الشّريعة، وكم كان ذوّاقاً ومتفهّما بل ملهما لتبيّن ما عليه أحوال النّاس في تلهّفاتهم على المادّة الخسيسة، فعلم رحمه الله ما يكنّه النّاس وما يضمرونه ممّا كان يعبّر عنه «بسلف جرّ نفعاً»، وإنّهم قد يتحيّلون لارتكابه والوصول إليه بطرق ملتوية تؤدّي إلى أنواع من الرّبا مختفية، ظاهرها شراء وبيع وباطنها أي: مآلها رباً وزیغ، ومن هنا عرف المذهب المالكي بمنع بيوع الآجال وبيع العينة، فهاذان ظاهرهما الإباحة ويتوصّل بهما إلى المحظور وهو الرّبا.

أمّا بيوع الآجال فنحو أن يبيع الرّجل سلعة من آخر بمائة إلى أجل، ثمّ يشتريها نقدا بخمسين، فيكونان قد توصّلا بما ظاهره حلال هو بيع عن اختيار أعقب بیعاً عن اختيار، إلاّ أنّ المشتري الأوّل الّذي عاد يُعَدُّ بائعاً قد قبض خمسين ليردّ مائة عند الأجل، وذلك هو عين ربا الفضل الممنوع بالأحرى من الرّبا النّسيئة، ذلك أنّ ربا الفضل متّفق عليه ابتداء من أوّل العقد بخلاف ربا النّساء فإنّما طرأ عند حلول الأجل والعجز عن الدفع، فيقول لصاحبه: أخّرني وأزيدك، فهذا بالإجماع حرام إذا ظهر فيه بالكاشف ما كنا قلناه من انقلاب المواساة والرحمة إلى معاوضة مالية عند شدّة الحاجة إلى الإسعاف.

وخلاصة بیوع الآجال المذكورة تحت كلّ ورقة من كتب الفروع للفقه المالكي أنّها إن اتّهم فيها الوضع بتحليل الرّبا بتكيّفه ببيع إثر بيع، وكان ثمّ تأجيل وتفاوت فيه أو في العوض المالي بما يؤدّي إلى أن يكون يد سابقة بالعطاء قد عاد لها أکثر ممّا خرج منها، ففي ذلك فساد، فذلك حرام، وهو ظاهر للدخول على حرام مقنّع، وإن لم تكن هذه النتيجة فذلك جائز لا خفاء فيه، بحيث لا أجل أو اتفقت الآجال أو الأثمان فلا حرج.

وفي الواقع ففقهاؤنا ـ رحمهم الله تعالی وجازاهم عنا أحسن الجزاء ـ قد قتلوا المسائل بحثاً بتصويرهم وتفرعهم لها على صورها الواقعة والمتوقّعة بما لم يتركوا للاّحق بحثا لم يتناوله السابق، فمثل مسألة بيوع الآجال هذه وصل صوره: منها الممنوع بالاتّفاق داخل المذهب، ومنها المختلف فيه، ومنها المكروه كراهة تنزيه، ومثل عرضنا هذا لا يسع مجاله لإيراد كلّ ذلك.

ولا يفوتنا في هذا العرض التّعرّض لمسألة بيع العينة، وهي بيع ما لا يملكه الإنسان عند عقد البيع، وهي على أوجه ثلاثة: جائز، ومكروه، ومحظور، فإن أدّت إلى ربا وظاهرها توالى عقد بیع فهي حرام، كأن يراوضه على الرّبح بأن يقول اشتر سلعة كذا بعشرة نقداً وأنا أبتاعها منك باثنتي عشر نقداً أو إلى أجل، والمكروه أن يقول له: اشتر السّلعة وأنا أربحك من غير تعیّن الرّبح فهذا إجارة بمجهول وعلى ذلك كانت الكراهة، فإن لم يكن شيء من هذا في العينة كما لو قال له: بعني سلعة كذا فيقول ما عندي ثم يخبره بكونه اقتنى تلكم السلعة فيبعها له ولا حرج، إذ لا تهمة ولا ربا في قالب بیع، إذ الممنوع ذريعة ما يقصد فعله وهو بظاهره حلال وباطنه حرام، وهو مصداق قوله عليه السلام: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك”، وبالتالي فإنّ كلّ ما أشرنا إليه وغيره كثير ما كان من توجيه شرعنا ومقاصد ربّنا من الانتفاع بالمال وتبادل النفع بين النّاس فيه بوجه حلال ينمّيه ويزيد في خيراته، دون التّعدّي فيه من أحد على آخر بما في هذا من السّوء وكلّ الفجور المؤدّي إلى الافتتان وقتل الإنسان لأخيه الإنسان وسعي لحتفه بظلفه .

يقول أصدق القائلين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً {29} وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً {30} إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً {31}) [النساء: 29 – 31].

والله الهادي إلى أقوم سبیل، وإليه المرجع والمصير، والسلام علیكم ورحمة الله العليّ العظيم.

 

[1]) مجلة «جوهر الإسلام»، العدد 9، 10، السنة 16 من ص 17 إلى 20.

تعليقات
Loading...