شبكة تحرير وتنوير
منارة للتعريف بالإسلام عقيدة وشريعة وتربية، وفق المرجعية السُنّية المالكية

مقاصد الصّوم وآثاره النفسية والاجتماعية – الشيخ محمّد الشّاذلي بن القاضي

مقاصد الصّوم وآثاره النفسية والاجتماعية

من شرح حديث “الصّيام جنّة”[1]

العلاّمة الشيخ محمّد الشّاذلي بن القاضي

     عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: “الصّيام جنّة. فلا يرفُثْ ولا يَجهَلْ. وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إنّي صائم مرّتين. والّذي نفسي بيده لَخُلُوف فَمِ الصَّائم أطيبُ عند الله من ريح المسكِ. يَدَعُ طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أجلي. الصّيامُ لي وأنا أَجزِي به. والحسنة بعشر أمثالها”. أخرجه البخاري.

(البيان)

     إن الله تعالى خلق العباد وهو غنيّ عن طاعتهم، لا علاقة لكماله سبحانه بمعاصيهم، ضرورة أنّ الجزاء راجع إليهم. وعقول البشر متفاوتة في إدراك المنافع فيعملون للوصول إليها ولو بعد حين، كما أنّهم في جانب الضّارّ ليسوا على قدم واحدة، فتزل أقدام قوم وهم لا يشعرون، لذلك كان من لطف الله بعباده، وهو اللّطيف الخبير، أن أوضح سبل السّعادة للبشر في دينه وعلى لسان الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام؛ لئلاّ تكون للنّاس على الله حجّة بعد الرّسل؛ وليسلك عباد الرّحمن المنهج القويم ويستعملوا جوهرة عقولهم فيما يعود عليهم بالخير الكثير والنّفع العميم. وحذّرهم من أشياء، وَعَدّ ارتكابها عصيانا عظيما. وتوعّدهم على مخالفته بجهنّم ولبئست دار المذنبين.

     وما انفكّ الرّسل ـ صلوات الله عليهم وسلامه ـ يقومون بهذا الأمر الخطير، ويبلّغون عن الله تعالى ما أمر بتبليغه لصالح النّاس، ويرشدون قومهم للخير وفيه فلاحهم المنشود، ويحذّرونهم من الضّلال الّذي غلبتهم نفوسهم عليه. وما انقشع ظلّ نبيّ أو رسول حتّى عاود النّفوس بعض ما أَنِسته من قديم، ورَكِبوا متن أهوائهم، تأثّرا بوساوس الضّالّين المضلّين.

      وعلى هاته الطريقة، وذلك المنهاج، سار البشر في حياته الدنيا؛ قوم على هدی، وفريق في ضلال، ولن تجد لسنّة الله تبديلا. وهذا الرّسول الصّادق والنّبيّ الأمين بعثه الله على فترة من الرّسل بدین الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره الكافرون، فأقرّ من الشرائع ما جاء بتقريره صريحا أو دلالة، ونسخ منها عن تبدیل أو تغییر بزيادة أو نقصان أو عن إبطال على حسب ما اقتضته سنّة العمران لحكمة وإن خفيت على بعض الأذهان. بيد أنّه من خصوصيات الرّسل حسبما يمليه عليهم الوحي الإلهي (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) [يونس: 15] فلا تسع غيرهم من الأنام.

     فهذا الكليم موسى عليه السلام يشرع له صيام يوم النّجاة، وهو اليوم الذي نجّاه الله فيه من فرعون وظلمه والبحر وتلاطم موجه، فشقّ له البحر واتّخذ هو وقومه من بينه طريقا آمنا. فكان صيام ذلك اليوم من شريعته المرضية، وقال في حقّه الرّسول الأمين صلّى الله عليه وسلّم لمّا قدم المدينة ووجد اليهود تصوم يوم عاشوراء، فسئلوا عن ذلك فقالوا: هذا اليوم الّذي أظهر الله فيه موسي على فرعون، ونحن نصومه تعظيما له. فقال: “نحن أولى بموسى منكم” وأمر بصيامه.

مشروعية الصّيام

     ثم اقتضت حكمة العليم الحكيم أن فرض في الشّريعة المحمّدية الخالدة إلى يوم ينفخ في الصّور أياما أخر، ووعد الممثلين لذلك جزاء موفورة.

     وأحسب أنّ للوقت أثرا في هذا التشريع كما له في ذلك التشريع، فَرُوعِي في العبادة الظّرف الّذي تؤدّي فيه. وبما أنّ شهر رمضان شرّفه الله تعالى من بين الشّهور حيث أنزل فيه القرآن، وأعْظِم به مِن منّة على المسلمين، جعله سبحانه ظرفا لتقام فيه هاته العبادة؛ قياما بواجب الشّكر والامتنان. وبمقدار عظم المنّة كان واجب الشّكر أوفر.

     وهذا شهر القرآن (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: 185].

     القرآن. وما أدراك ما القرآن.

     القرآن كلام الله.

     القرآن المتضمّن لدين الله. القرآن الّذي جعله الله ترجمانا بينه وبين خلقه.

     القرآن نبراس الهدى للمهتدين.

     القرآن الّذي ضمّنه العليم أسرار شريعته.

     القرآن الّذي قصّ علينا من حوادث الأمم عبرا وذکری لقوم يعقلون. وأعطى للعالم المثال الكامل للخلق الحسن.

     القرآن الّذي ادّعى به النّبيّ الأعظم محمّد صلّى الله عليه وسلم رسالته للعالم، وجاءهم فيه بتشريع لا عهد للإنسانية بمثله.

    وحقيقٌ من كانت هاته بعض صفاته، وتلك درجته ومزيّته، أن يُتّخذ الوقت الّذي نزل فيه موسم عبادة، وأن يمتاز نوع هذه العبادة من سائر الطّاعات، وما ذلك إلاّ بالإخلاص الّذي وإن كان شرطا في قبول جميع القرب إلاّ أنّه قد يفارقها فتبقى جسدا بدون روح. وليس كذلك الصّيام فإن الإخلاص صفة ذاتية فيه كما أفصح عن ذلك هذا الحديث، قال صلّى الله عليه وسلّم: “الصّيام جنّة” قال ابن الأثير في النّهاية: معنى كونه جنّة أنّه يقي صاحبه ما يؤذيه من الشّهوات اهـ.

الصّيام حجاب

     فالصّيام حجاب يتستر به الصّائم حتّى لا يعبث به هواه فيرديه في المآثم التي توعّده الله عليها بالنار، فيكون الصّيام حجابا من النّار بواسطة أنّه يقيه من الشّهوات، وهذه إذا سلم من تأثيراتها لم يشمله الوعيد وتسربل بحجاب الأمن من العذاب.

    ولا يبعد هذا إذا قلنا إنّ الصّائم في عبادة خالقه ما دام متحلّيا بصفات القانتين، صاعدة نفسه في مراقي الكمال متطلّعة إلى عالم الملائكة، متّصفة بأخص صفاتهم التي تكون للمرء نِعْم السّاتر بينه وبين سائر المهلكات.

المثال الأوّل لخلق الصّائم

      فجاء التّرتيب ينادي بأن من كانت تلك صفته: لا يرفث، ولا يصدر منه الفحش، ولا يجهل بارتكابه ما هو من أفعال أهل الجهل والأهواء، ولا يجادل بغير علم، وهو مصداق قوله: “فلا يرفث ولا يجهل”. والرّفث منكر في الفطر والصيام، وهو من الصائم أشدّ؛ لأنّ حالة العبادة تنادي بالابتعاد عن المخاطر، وإلاّ أوشك أن يخرج منها الصّائم وهو خاسر الصفقتين.

 

المثال الثاني لخلق الصائم

     وكما أنه لا يتعدّى على غيره لا يجاري أهل الدّعارة في قبیح فعالهم “وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إنّي صائم مرتين”.

     وهذا من الحديث مثال ثان لخُلُق الصّائم الذي دأبه مرضاة الله عزّ وجلّ، لا يخضع لما تمليه عليه إرادته من الانتقام لنفسه، بل يكون مثالا ليقتدي به من لا خلاق له، فيردّه عن غيّه بلطيف قوله. وكفي بتذكيره بالصيام واعظا، وأنّه في عبادة ربّه الذي لا يخفى عليه ظلم كلّ معتد أثيم، وأنّ العابد يتنزّه آن يلوّث نفسه بالخطايا وينقض غزله وهو لا يشعر.

     وإنّ من تحريف الكلم عن مواضعه أن يقول الإنسان هذا القول في مقام الاعتذار عمّا يرتكبه من هجن القول، فترى الرّجل تسوء أخلاقه في يوم الصّيام، ولا يسلم من شرّه قريب أو بعيد، وأشدّ من نشفق عليه في هذا المقام المرأة والحشم، فيلاقي الواحد من هؤلاء ما يضني الفؤاد لا من أجل كبير. وإذا خاطبته فررت منه وولّيت منه رعبا، لِمَا يظهر عليه من الغضب الشديد. ثمّ إذا رجع إليه رشده تمثّل بـ”إنّي صائم”.

     أما علم أنّ ذلك ورد في مقام الرّدّ على أمثاله، لا في بيان وجه الاعتذار حتّى يقبل منه قوله ويعطى من الأعذار ما يخفّف عنه سوء صنيعه؟

     أما درى أنّه بصنيعه هذا الممقوت خرج من سلك من يعنيهم الحديث، ولا هو ممّن وُصفت رائحة أفواههم بما جاء في قوله عليه السلام: “والذي نفسي بيده لخُلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك”، وكفى بهذا القسم ـ وأنّه لو تعلمون عظيم ـ في بیان ما يكتنف الصّائم من كمالات. وهذا الذي يتسرّب إلى بعض الأذهان من أنّ الصّائم يعتريه من الصّفات لخلوّ معدته ما ينفر منه، هو عند الله على نحو ما تستطيبونه في حياتكم الدنيا أيّها الغافلون.

     والعبادة يتطلّب لها كمال الظّاهر والباطن، فطيب المصلّي المسك، وطيب الصّائم خلوف فمه، ويزول هذا الطيب بعثرات اللّسان كما يرتفع الحجاب بما يأتي به المرء من قبیح الأفعال.

     فالعاقل البصير لا يرضى إلاّ أن تكون جميع أعماله وأقواله مراعى فيها جانب الله الّذي تعبّده بالصيام، وما صام إلاّ من أجله، قال عليه السّلام فيما يحكيه عن ربّ العزة: “يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي”.

 

ما امتاز به الصوم عن سائر العبادات

      وهذا فيه التّصريح بالتُّروك الثلاثة التي هي مظاهر الصيام، وبیان لصفة الإخلاص التي امتازت بها هذه العبادة، التي يجني من ورائها الصّائم نعما كثيرة (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا) [إبراهيم: 34] بعضها يرجع إلى عالم المشاهدة من سلامة في الجسم والعقل، وبعضها يلقاه يوم الجزاء.

   وكفانا تر جمانا عنه ما جاء في تتمّة هذا الحديث “الصّيام لي وأنا أجزي به” فتشرّف بإضافته إلى الله تعالى.

      وللعلماء في تأویل إضافة الصّيام لله تعالى مذاهب كثيرة، والذي حدا بهم إلى ذاك ما هو معلوم أنّ الأعمال كلّها لله تعالى، وهو سبحانه الّذي يجزي بها، فجرت لهم في بيان المراد أقوال لا سبيل إلى استيفائها في المقام ولنكتفي بالتعرّض لثلاثة منها:

     أحدها: أنّ الصّوم لا يدخله الرّيا، كما يدخل غيره من العبادات فيفسد المقصود منها، وهو العبادة لله وحده والخلوص لجلاله، لتتحقق العبودية بأكمل مظاهرها وأدقّ مدلولاتها. وما دخل الرّياء شيئا إلا أفسده، وسلم الصّوم من هذا الخطر؛ للأنّ الأعمال التي تلابس العبادات تكون بالحركات إلاّ الصوم فإنّه لا يطّلع على حقيقة ما في نفس الأمر إلاّ علاّم الغيوب.

     وتعقّب ابن حجر دعوی أنّ الصّيام لا يتطرّقه الرّياء مفصّلا في المقام أنّ الرّياء يحصل مرّة بالقول وأخرى بالفعل، وهذا الثاني لا يدخل الصوم، وأمّا الأوّل فقد يدخل الصّوم كمن يتبجّح بخبره أنّه صائم. فهو من هذه الحيثية يدخله الرّياء.

     وأختار في دفع الإيراد: أنّ الرّياء الذي حصل إنّما حصل من القول ولم يكن حصل بنفس الصّيام الذي وصف بأنّه لا يدخله الرّياء وإنّما حصل من أمر زائد على الصّيام.

     ومن العلماء من اختار في التأويل أنّ الصّيام لم يعبد به غير الله تعالى.

     ورجّح آخرون أن يكون المراد أن سائر العبادات توفّى منها مظالم العباد، فيؤخذ من ثوابها ويضمّ إلى حسنات الغريم إلاّ الصّوم، قال ابن عيينة فيما رواه عنه البيهقي: إذا كان يوم القيامة يحاسب الله تعلى عبده ويؤدّي ما عليه من المظالم من عمله، حتّى لا يبقى له إلاّ الصّوم، فيتحمّل الله تعلى ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصّوم الجنّة.

     ولمّا أخبر الله سبحانه أنّه الذي يتولّى جزاء الصّائم ولا يكله لسواه، فارق جزاء الصّوم جزاء غيره من الطاعات، ولم يذكر لحسناته عدد كما ذكر عدد الحسنات مع غيره من الطاعات، “والحسنة بعشر أمثالها والله يضاعف لمن يشاء” كما جاء في بعض الروايات “إلى سبعين ضعفا”.

     ضاعف الله لنا الأجور، وألحقنا بخدمة سنّة الرّسول، وملّكنا أعنّة نفوسنا حتى يكون صيامنا لله، ونيتنا خالصة، وسعينا لما فيه نفع الأمّة متواصلا، ورائدنا البحث عما فيه فلاحها. إنّه قريب مجيب.

 

[1] ) الزيتونية، م1، ج3، ص111.

تعليقات
Loading...