شبكة تحرير وتنوير
منارة للتعريف بالإسلام عقيدة وشريعة وتربية، وفق المرجعية السُنّية المالكية

‌‌أدب الدعوة – الشيخ محمد الخضر حسين

‌‌أدب الدعوة

فضيلة الإمام محمد الخضر حسين

 

العمل على إنقاذ النفوس من وادي الغواية، والإقبال بها على مطالع السعادة؛ مسلك وعر لا يمر فيه على استقامة إلا من بلغ في صناعة البيان أمداً قاصياً.

لا يكفي في الدعوة أن يكون يزيد القائم بها حجة أو موعظة يلقيها في أي صورة شاء؛ فإن المخاطبين يختلفون ذوقاً وثقافة اختلاف الزمن والبيئة، ومن اللائق أن تصاغ دعوة كل طائفة في أدب يليق بأذواقها أو ثقافتها.

الخبرة بما للطوائف من أحوال نفسية، والقاء الدعوة في الثوب الملائم لهذه الأحوال؛ موكول إلى ذكاء الداعي، ورسوخِه في فنون البلاغة وأدب اللسان. ولا يمنعنا هذا من تذكير القارئ ببعض جمل نوردها كأمثلة للأدب الذي تخرج به الدعوة في خطاب بليغ.

من أدب الدعوة: الرفق في القول، واجتناب الكلمة الجافية؛ فإن الخطاب اللين قد يتألَّف النفوس الناشزة، ويدنيها من الرشد والإصغاء إلى الحجة أو الموعظة. قال تعالى في خطاب موسى وهارون- عليهما السلام-: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 43، 44]. ولقّن موسى – عليه السلام – من القول اللين أحسنَ ما يخاطَب به جبّار يقول لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]؛ فقال تعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: 18، 19]. ويندرج في سلك هذا: صرفُ الإنكار إلى غير معين؛ كقوله – صلى الله عليه وسلم – في النكير على أهل بَرِيرة، وقد عرفهم بأعيانهم: “ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟ “. ومن هذا القبيل قوله – عليه السلام -: “ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أصنعه؟ فو الله! إني لأعلمهم بالله، وأشدّهم له خشية”، وشكا إليه – صلوات الله عليه- رجل من مُعاذ بن جبل حين كان يطيل بهم الصلاة، فاشتد غضبه، ولكنه احتفظ بعادته الجميلة، فلم يخاطب معاذًا على التعيين، بل عمَّم في الموعظة، وقال: “أيها الناس! إنكم منفرون، فمن صلى بالناس، فليخفف؛ فإن فيهم المريضَ والضعيف وذا الحاجة”.

ومن أمثلة هذا الأدب: أن يوجه الداعي الإنكار إلى نفسه، وهو يعني السامع؛ كقوله تعالى فيما يقصه عن رجل يدعو إلى الإيمان بالله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 22]، فإنه أراد تقريع المخاطبين؛ إذ أعرضوا عن عبادة خالقهم، وعكفوا على عبادة ما لا يغني عنهم شيئاً، فأورد الكلام في صورة الإنكار على نفسه؛ تلطفاً في الخطاب، وإظهاراً للخلوص في النصيحة، حيث اختار لهم ما يختار لنفسه.

ويضاهي هذا الأدب: أن يضع نفسه بمنزلة السائل المتطلب للحقيقة، ويقيم الحجة في معرض الاسترشاد، حتى تعلق بأذهان المخاطبين، قبل أن يشعروا بغرضه، فينصرفوا بقلوبهم عن الإصغاء إليه. ومثل هذا: ما فعل إبراهيم – عليه السلام – في محاجَّة قومه المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: 70 – 73].

وقال تعالى في تعليم رسوله الأكرم كيف يدعو إلى الحق: ﴿قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24]. فإذا لم يظهر الداعي أنه على بينة من أمره، وألقى الكلام في هيئة المتردّد الذي لا يتيقن أن الهدى في جانبه، كان كالمستعين برأي المخاطب في البث عما هو حقّ ورشد، فتنحلّ في قلب هذا المخاطب عقدة التعصب. وريما طمع في الداعي، وأخذه إلى مذهبه، فيقبل على النظر بجدّ حتى يمرّ به مغالبة الداعي على الآيات البيّنات، فإذا هو ينظر إلى الحق: فإما إيماناً بعد، وإما عناداً.

ومن لطف الدعوة: أن تنادي المدعوَّ بلقبه الشريف، وتنعته بوصف شأنه أن يبعث صاحبه على قبول الموعظة، أو الإنصاف في المجادلة. وهذا الأدب مقتبس من مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 65]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104]، ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179]، ﴿يَاأُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2]، وقد وصف النبي – صلى الله عليه وسلم – هرقل في كتاب دعوته إلى الإسلام بعظيم الروم. ويتأكد مثل هذا الأدب في موعظة الصغير للكبير، والمرؤوس لرئيسه، ولاسيما حيث تُضرب على الدولة طبائع الاستبداد.

وقد يفتتح الداعي للرؤساء خطابه بكلمة: “ائذن لي”، قال ابن شريح لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: “ائذن في- أيها الأمير- أحدّثك قولاً”، وروى له قوله – صلى الله عليه وسلم -: “إن مكة حرّمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا” إلخ الحديث. فقال له عمرو بن سعيد: نحن أعلم بحرمتها منك. فقال له ابن شريح: إني كنتُ شاهداً، وكنت غائبًا، وقد أمرنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يبلغ شاهدُنا غائبنا، وقد أبلغتك، فأنت وشأنك.

يذهب بعض الناس في الإنكار على من يراه مبطلاً مذهب الفظاظة في القول، فيرميه باللعن والشتائم، وفن الشتم والهجاء مما يبذر الشقاق الذي نهينا عنه، وربما حمل المبطلَ على التعصب لرأيه أو هواه، وقبض عليه باليمين والشمال.

والناس يعرفون أن طريقة السباب في المجادلة إنما يسلكها العاجز عن إقامة الحجج الدامغة، فترى المقال الذي يحرر في سعة صدر وأدب مع المخالف يجد من القبول وشدة الأثر في نفوس القراء ما لا يجده المقال الذي يخالطه السفه والحماقة. وكذلك ترى المستيقن أنه على حق، مطمئنَّ المخاطر، آمنًا على مذهبه من صولة الباطل، فينطق عن أناة وتخيّر للأقوال الصائبة. أما من لم يكن على بصيرة من رأيه أو عقيدته، فإنه ينزعج عند المجادلة، ويطيش به الجدل حتى يقذف بالسباب، ويلفظ بالكلام من قبل أن يقيم له وزناً.

وقد يكون حديثك مع طائفة باعوا نفوسهم بمتاع هذه الحياة، واندفعوا لإغواء الأمة، والكيدِ لشريعتها وحياتها السياسية، بجميع ما ملكوا من صفاقة وعناد وسوء طوية. ولعل الناس يعذرونك حين تتصدَّى لكف بأس هؤلاء، ويجري على لسانك أو قلمك في خلال جدالهم كلمة تتهكم بعقولهم، أو تزدري آراءهم، أو تنبه على مكر انطوت عليه دعايتهم.

فإنك إن تهكمت بعقول هؤلاء، أو ازدريت آراءهم، فإنما تضعها في مواضعها، وتمس خيلاءهم بما يخفف من غلوائها، وإن رفعت الغطاء عن مكايدهم، فينما تجادل قوماً يجعلون مكان الصريح رمزًا، ومكان الطعن غمزاً، ويلبسون أقوالهم المعبرة عن آرائهم تردداً أو ريباً.

تعليقات
Loading...