شبكة تحرير وتنوير
منارة للتعريف بالإسلام عقيدة وشريعة وتربية، وفق المرجعية السُنّية المالكية

‌‌‌كيف ‌تستنبط القواعد من الكتاب والسُّنة؟ – الشيخ محمد الخضر حسين

‌‌‌كيف ‌تستنبط القواعد من الكتاب والسُّنة؟

فضيلة الإمام محمد الخضر حسين

 

يستنبط المجتهد الحكم من نص الشارع مباشرة، أو يستنبطه بطريق القياس، فإذا قال الشارع: أمر كذا واجب أو ممنوع، وذكر علّة الوجوب أو المنع، أو أشار إليها بحسب فهم المجتهد، فالمجتهد يحكم في غير ما ذكره الشارع متى وجد فيه العلة المذكورة، أو المنبَّه عليها بحكم الأمر المنصوص، وذلك هو القياس، وهو: مساواة الفرع الذي ألحقه المجتهد للأصل الذي ذكره الشارع، وعلق عليه الحكم، وهو من قواعد الشرع حيث دلت موارد متعددة على التعبد به.

ومن ألَّف في القواعد، لم يذكر منها القياس؛ لأنه من الأصول الأساسية الموصلة لاستنباط القواعد.

وهذه الأصول، هي: الكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس.

والذي يضرب به المثل في جودة القياس: أبو حنيفة – رضي الله عنه -.

ومن وقف بالشريعة عند الحد المنصوص عليه، فقد سار في طريق غير مناسب لشريعة نزلت لتكون الشريعة العامة الخالدة.

والقاعدة: بيان يأخذه المجتهد من موارد كثيرة من الشريعة، ولهذا كانت – أي: القاعدة – قطعية عند المجتهد، وأسوق مثلاً لهذا: قاعدة ارتكاب أخف الضررين، فإنها مأخوذة من مثل قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79]، فعيب السفينة بالخرق أخفّ ضرراً على أصحابها من انتزاعها كلّها من أيديهم على وجه الغصب.

ومن قوله – صلى الله عليه وسلم – حين قام الصحابة ليمنعوا العربي الذي يبول في المسجد: “دَعُوه لا تُزْرِمُوه”، أي: لا تقطعوا عليه ما هو فيه، فيحدث له ضرر. إن لبول الأعرابي في المسجد ضرراً خفيفاً يمكن إزالته بالماء، وفي حمله على قطع البول ضرر كبير؛ لما قد يصيبه من مرض، فاحتمل أخف الضررين.

ومن ذلك احتمال كيد المنافقين وأذاهم في عهد النبوة، ففيه ضرر بالمسلمين، ولكنه أخف من الضرر الناشئ عن قتلهم، وهو ما أشار إليه الرسول – صلى الله عليه وسلم – في قصة عبد الله بن أبيّ حين قال ما حكاه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8]، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “دعه؛ لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه”، فقالة السوء هذه أكبر ضرراً من كيدهم.

ومن القواعد قولهم: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فهذه قاعدة أخذها الفقهاء من سيرة الشريعة المطهرة، فكانت تقدم إزالة المفاسد على جلب المصالح، وأسوق مثلًا لهذا: الربا، والقمار، والخمر، فقد يكون فيها منفعة، ولكن المفاسد التي تنشأ عنها أعظم، فحرمت لإزالة مفاسدها تحريماً مغلظاً، وألغيت المنفعة التي تحصل منها.

ويتصل بهذه القاعدة [1] ترجمة القرآن الكريم، ففيها، مفاسد كثيرة، وفيها منفعة طفيفة، وهي اطلاع الأجانب على شيء من أحكام القرآن وحكمته، فترجمته محرمة؛ تقديماً لدرء المفاسد على جلب المصالح؛ لأن الترجمة تؤدي إلى الإخلال ببلاغة القرآن ومعانيه.

ويتصل بهذه القاعدة أيضاً: قتل رسول الأعداء، فقد تكون فيه مصلحة للمسلمين؛ كأن يكون حسن التدبير لقومه، أو بالغاً في الشجاعة، وفي قتله مفاسد، وهي ترك إرسال المحاربين من يمهد لهم الصلح، أو يسعى في عقد اتفاق بتسليمهم، فحرم قتله؛ درءاً لهذه المفاسد.

ومن أمثلة هذه القاعدة: قول أبي جعفر المنصور للإمام مالك: سأحمل الناس على العمل بما في “الموطأ” من أحكام، فقال له الإمام مالك: إن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تفرقوا في البلاد، وأفتى كلٌّ بما رآه، فلا يجوز تكليف الناس العمل بما في “الموطأ”، فقول أبي جعفر المنصور يحمل الناس على الموطأ من باب مراعاة المصلحة، ومعارضة الإمام مالك في ذلك من باب تقديم درء المفاسد على جلب المصلحة، وهو تعطيل ما رواه الصحابة وأفتوا به مما ليس في “الموطأ”.

ويقدّم درء المفاسد على جلب المصالح إذا كانت المفسدة أعظم من المصلحة، أو كانت مساوية للمصلحة، فإن كانت المفسدة أقل من المصلحة، وعظمت المصلحة إلى أن غطت على المفسدة، قدم جلب المصلحة على درء المفسدة؛ كالطائرات؛ فإنها لا تخلو من أخطار؛ كالسقوط في بعض الأحيان، وموت الراكبين فيها، ولكن المصالح التي تترتب على ركوبها عظيمة، فيقدم جلب المصالح هنا على درء المفاسد؛ لأن المصالح أعظم كثيراً من المفاسد. وقد حصر القاضي الحسين الشافعي، مذهبَ الشافعية في أربعة قواعد:

الأولى: اليقين لا يرفع بالشك.

والثانية: الضرر يزال.

والثالثة: المشقة تجلب التيسير.

والرابعة: العادة محكمة.

والقواعد الأربع قد تشتمل على قواعد أصغر منها، فقاعدة: اليقين لا يرفع بالشك، تشتمل على قاعدة الاستصحاب، الذي هو: إعطاء الحاضر حكم الماضي حتى يقوم الدليل على تغير الحكم، ويدخل فيها: أن اللفظ يحمل على عمومه أو إطلاقه حتى يقوم الدليل على تخصيصه أو تقييده.

والقاعدة الثانية، وهي: الضرر يزال، تشتمل على قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، وعلى قاعدة: ارتكاب أخف الضررين، وعلى مثل: رد المغصوب، وضمان المتلفات، وحرمة تضييق الطريق العام للمسلمين.

والقاعدة الثالثة، وهي: المشقة تجلب التيسير، تشتمل على المعاملات؛ من بيع، وإجارة، وقرض، وسَلَم، وإقالة، وشُفعة، وقسمة، وصلح، وشركة، ونحو ذلك.

القاعدة الرابعة، وهي: العادة محكمة، ويرجع في هذه القاعدة إلى حمل اللفظ على ما يجري به العرف في الأيمان والأوقاف والوصايا. ويعمل بها بعض الفقهاء في جهاز الزوجة، فيقضي به لها، وإن كان في بيت الزوج وحوزته.

وذكر بعض الفقهاء قاعدة خامسة، وهي: الأعمال بمقاصدها، وأدخل فيها قاعدة سد الذرائع؛ لأن المنع من الأمر الذي ظاهره الصحة سببه أنه قصد به الفساد.

وممن ألّف في القواعد من- الشافعية -أيضاً: العز بن عبد السلام، ومن- الحنفية-: أبو طاهر الدبوسي، وابن نجيم، ومن – الحنابلة -: ابن رجب، ومن – المالكية -: القرافي، والمقري، وأبو إسحاق الشاطبي.

والقاعدة التي يأخذها المجتهد من آيات وأحاديث كثيرة، قد يجيء حديث آحاد صحيح مخالف لها في ظاهره، فيعمل بالحديث فيما نص عليه، ويعمل بالقاعدة في بقية الجزئيات؛ كحديث العَرِيّة، وهي نخيلات يهبها صاحب البستان لمحتاج، ثم يشتريها منه بمقدار رطبها تمراً يابساً، فالقاعدة تقتضي المنع من بيع رطب بيابس، فنستعمل الحديث في إجازة العريّة كما ورد، ونترك القاعدة على حالها فيما عدا ذلك، وقد يفرق بين الحديث والقاعدة؛ بأن الحديث خاص بمن أعطى نخلات على وجه المعروف، والقاعدة مراد بها غيره.

وكان خالنا وأستاذنا الشيخ المكي بن عزوز قد سافر إلى الآستانة، وتولى دراسة الحديث بدار الفنون، وأذيع عنه في تونس بأنه صار يقول بفتح باب الاجتهاد، ولما لقيته بالآستانة، ذكر بعض الحاضرين له هذه المسألة، فقال: إني مالكي في المسائل الاجتهادية، أما إذا ورد حديث صحيح، فأعمل به، ولو خالف المذهب، وكلام الأستاذ يوافق قول ابن قيم الجوزية: إن الحديث إذا صح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ولم يصح عنه – عليه السلام – حديث آخر ينسخه، فالفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه، وترك كل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائناً من كان.

وقال أبو بكر بن عربي عند قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33]،: إن الآية والحديث إذا جاءا على خلاف الأصل، فكل منهما أصل بنفسه يرجع إليه بذاته، ويجري على حكمه.

ومن الفقهاء الباحثين من يقول: إذا جاءت الشريعة باختصاص بعض الأحكام بنوع يفارق به نظائره، فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، ويمنع المساواة لغيره، لكن ذلك الوصف الذي يختص بذلك النوع قد يظهر لبعض الناس، وقد لا يظهر.

وهذا كله يجري في الحديث المخالف في الظاهر للقاعدة المشتملة على جزئيات من نوع جزئياته؛ كحديث العارية؛ فإنه يقتضي جواز بيع رطبها باليابس، والقاعدة تقتضي منع بيع الرطب باليابس. أما استخراج الحكم من القاعدة، فالفقيه ينظر في الواقعة إذا لم يرد فيها نص خاص بالشارع، ويجمعها من أطرافها، وينظر إلى مقتضى الزمان والموطن الذي وقعت فيهما، وما جرت به عادة القوم مما لا يخالف نصاً من شارع، ثم يأتي على قاعدة تلائم الواقعة بجميع خصائصها، ويطبقها عليها.

ولا يكاد الفقهاء يختلفون في القواعد؛ لأنها قطعية، وقد يختلفون في تطبيقها؛ لأن التطبيق ظني، كما اتفقوا على قاعدة: (الضرر يزال)، واختلفوا في الرحى يضعها الرجل في عرصة داره، فيؤذي جاره بصوتها، فأطلق بعضهم منعها، وقيد بعضهم المنع بما إن كان صوتها شديداً، فإن كان ضعيفاً جاز وضعها. وقد اتفقت كلمتهم في قاعدة: (الضرر يزال)، واختلفت في مقدار الضرر الذي تجب إزالته، وهذا اختلاف في تطبيق القاعدة.

ويزيد هذا وضوحاً بأنه وقعت بيني وبين أحد الأساتذة من العراق محاورة في موضوع: أن مشقة الحركة عند الوصول إلى السنّ البالغة تسقط عن الإنسان وجوب العمل في سبيل الدفاع عن الدين. فقلت: نحن متفقون على الأصل، وهو أن للسن البالغة حكماً نافذاً لا يمكن معارضته، ولكن العمل في سبيل الدين معقود بالإمكان، وباب الإمكان لا يزال مفتوحاً، فالاتفاق على تحقيق الأصل لا يوجب الاتفاق على كل جزئي من جزئياته.

وكان أستاذ أساتذتنا في بلاد الجريد بتونس الشيخ المدني بن عزوز إذا سئل عن حكم واقعة، ووجد في كتب الفقه ما يطابق الحكم، أفتى به، وإذا لم يجد لذلك نصاً، استنبط له حكمًا من القواعد المقررة في المذهب، وكذلك كان شيخنا الشيخ محمد النجار (بتونس) إن وجد للمسألة نصاً من الفقهاء، أفتى به، وإن لم يجد نصاً، أجرى عليها القواعد التي تلائمها.

وذكر القواعد عند ذكر الحكم ينفع المقلد أيضاً، فالمسألة المنتظمة في سلك وثيق مع غيرها، ترسخ في نفسه كثر من المسائل المجردة عن القواعد، وكنت أقرأ الأحكام الفقهية في كتب مجردة من القواعد، ولما اطلعت على الأحكام مصحوبة بقواعدها، صرت أتمتع بها أكثر من قبل، وأحفظها في ذهني أكثر من الأحكام المجردة، فإذا عرف المكلف من الفقيه الفائق علمًا وعدالة: أن دعوى النسخ في الآية والحديث لا تقبل إلا بدليل، حصلت له فائدة، وإذا عرف: أن الحكم في المسألة مبني على قاعدة: (اليقين لا يزول بالشك)، وذكر له أشياء تشملها القاعدة، ازداد رسوخا في الحكم، واتسعت دائرة فهمه أكثر من قبل.

فمن يدرس أحكام الشريعة بقواعدها يزداد رسوخاً في فهمها، ويراها رأي البصير كيف كانت أَحكمَ شرع وُضع للناس.

[1] القاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

تعليقات
Loading...