شبكة تحرير وتنوير
منارة للتعريف بالإسلام عقيدة وشريعة وتربية، وفق المرجعية السُنّية المالكية

ما حكم عقد هبة الرقبة الّذي جرى به عمل النّاس؟

  • فتاوى
  • ما حكم عقد هبة الرقبة الّذي جرى به عمل النّاس؟

فتوى عدد 116

ما حكم عقد هبة الرقبة الّذي جرى به عمل النّاس في أن يهب الأب أو الأمّ لابنه بعض ما يملك على أن لا ينتفع به إلاّ بعد وفاته؟

الجواب:

 

بسم الله الرّحمان الرّحيم والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين، أمّا بعد فقد ورد سؤال يستفسر صاحبه عن حكم هبة الرقبة المذكورة في القانون التونسي ومفاده أنّ للوالدين الحقّ في هبة ذات بعض من ملكه أو كلّة في حياته دون منفعته لابنه، فيحصل لدى الواهب ملك للذات مع استثناء المنفعة فلا يحقّ له التصرّف في المبيع ببيع أو غيره في حياة الواهب، ثمّ إثر موت هذا الأخير تنتقل المنفعة إلى الموهوب له بصفة آليّة فيحصل لديه ملك للذات والمنفعة فيجوز له حينئذ التصرّف في الهبة تصرّفاً مطلقاً. مثاله: أن يهب الأب عقاراً كدارٍ لابنه فتنتقل لهم ملكيّة ذلك العقار دون الانتفاع به والتصرّف بالبيع والهبة وغير ذلك، أمّا منفعتها أي سكناها فهي حقّ للأب فيمكن له أن يسكنها أو يكريها لحسابه. ثمّ ينتقل حقّ الانتفاع بالسكنى ونحو ذلك إلى الابن بعد وفاة والده.
ابتداءً يجدر بنا قبل بيان حكم هذا العقد أنّ نؤصّل لمسألة مهمّة لها علاقة بما نحن في صدد الإجابة عنه، وهو أنّ الهبة من قبيل التبرّعات المندوبة كالصدقة، وأنّها من العقود اللّازمة الّتي تلزم بالإيجاب والقبول، وليس للواهب والمتصدّق الرجوع فيها، ولو من غير حصول قبض، ولكن يشترط الحوز لتمام الهبة ونفوذها، والمقصود بالحوز إزالة تصرّف الواهب في هبته حتّى يتمكّن الموهوب له من التصرّف فيما وهب له.
ويجوز للوالدين أباً أو أمّاً أن يهب أحدهما لجميع أبنائهم أو لبعضهم حال حياتهم بعضاً من ملكهما أو جميعه، ولا يشترط عندنا ــــــ المالكيّة ــــــ لصحّة الهبة التسوية بين الأبناء فيجوز ولو مع التفاضل، إلاّ أنّهم قد ذكروا كراهة أن يهب أب أو أمّ لبعض ولده كلّ ماله أو جلّه على المشهور لكن إن وقع ذلك صحّ العقد، ودليلهم في ذلك ما جاء عن النعمان بن بشير أنّه قال: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إشهَدْ أنّي قد نحلت النعمان كذا وكذا من مالي. فقال: «أكلّ بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النعمان؟» قال: لا، قال: «فأشهد على هذا غيري» (رواه مسلم) ووجه الاستدلال أنّ النبيّ ﷺ لمّا امتنع من الشهادة وأمره أن يشهد غيره، دلّ ذلك على مطلق الإذن الشرعي وأنّ العقد صحيح وإلاّ لأمره بالفسخ. أمّا عن وجه امتناع النبي ﷺ عن الشهادة؛ فلأنّ مقام النبوّة يقضي توقّي غير الأكمل والأحسن، فتوقى ذلك في نفسه ولم يوجب توقّيه على غيره.
وبناءً على ما تقدّم من أنّ الهبة نقل لملكيّة الموهوب نقلاً تامّاً ذات ومنفعة، فقد نصّ المالكيّة على بطلان الهبة لو وقع اشتراط من الواهب على الموهوب له ألاّ يبيع ولا يهب؛ لأنّه شرط مناقض لمقتضى العقد، وهو تمليك الذات والمنفعة والتصرّف التامّ في الملك. وكذلك تبطل الهبة إن مات الواهب قبل حوز الموهوب له للهبة، وينتقل حكم العقد من الهبة إلى الميراث؛ لأنّ نفاذ الهبة بعد حصول المانع وهو الموت وقبل الحيازة يؤدّي إلى إبطال الهبة، والدليل عن عائشة زوج النبيّ ﷺ أنّها قالت: إنّ أبا بكر الصدّيق كان نحلها جادّ عشرين وسقاً من ماله بالغابة، فلمّا حضرته الوفاة قال: والله يا بنيّة ما من النّاس أحد أحبّ إليّ غنى بعدي منك، ولا أعزّ عليّ فقراً بعدي منك، وإنّي كنت نحلتك جادّ عشرين وسقاً، فلو كنت جددته واحتزتيه كان لك، وإنّما اليوم مال وارث. وإنّما هما أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله. قالت عائشة، فقلت: يا أبت والله لو كان كذا وكذا لتركته، وإنّما هي أسماء فمن الأخرى؟ فقال أبو بكر ذو بطن بنت خارجة، أراها جارية. (رواه مالك)
فتبيّن أنّ هبة الرقبة باطلة شرعاً لعدم استيفائها لشروط عقد الهبة وهو تملّك الموهوب له التملّك التامّ للهبة في حياة الواهب. وعليه فإنّ تلك الهبة تدخل في قسمة التركة ولا يحقّ للموهوب له التمسّك بذلك العقد ولو مع نفاذه القانوني، والله تعالى أعلم.

(الإشراف: 2/673، والمعونة: 3/1607، والمنتقى: 6/94، 108، 110، والمعلم: 2/348، والذخيرة: 6/228، وحاشية الصاوي: 2/305، وحاشية العدوي على الرسالة: 6/360، وإكمال الإكمال: 4/329)

هل استفدت من الإجابة؟
لا 0
المشاهدات: 0