شبكة تحرير وتنوير
منارة للتعريف بالإسلام عقيدة وشريعة وتربية، وفق المرجعية السُنّية المالكية

ما هو حكم اتّخاذ الكلاب في البيوت؟

فتوى عدد 70

ما هو حكم اتّخاذ الكلاب في البيوت؟

الجواب:

 

لم يجوز الشّرع اتّخاذ الكلاب في البيوت في الحضر، وجوّزه فقط للصّيد وحراسة الحرث والماشية، والدّليل على ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنّ رسول الله ﷺ قال: «من اقتنى كلباً ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا أرض، فإنّه ينقص من أجره قيراطان كلّ يوم» [1] ، وما روي عن أبي طلحة أنّ النّبي ﷺ قال: «لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب» [2]، فقد جعل النّبيّ ﷺ اتّخاذ الكلب في البيوت سببا في عدم دخول الملائكة إليها وفي نقص الأجر عن أصحابها، وكلّ سبب من هذين السّببين تعليل لما رتّب عليه الشّرع من آثار، وقد رتّب عليه أمرين ليس لهما تفسير إلاّ كونهما عقوبة لفاعل ذلك؛ لأنّ الأصل في الملائكة أنّها موجودة في كلّ مكان إلاّ المكان الّذي يُمنعون منه، والأصل في الأجر على الأعمال أنّ صاحبها يستوفيها كاملة؛ فدلّ عدم دخول الملائكة البيوت ونقصان أجر العامل كناية على كون اتّخاذ الكلاب في البيوت معصية في ميزان الشرع، فكنّى النّبيّ صلّى الله بذلك عن التّصريح بالتّحريم بما يدلّ على التّحريم.
وللتّضييق على اتّخاذ الكلاب في غير ما أذن الشرع فيه، حرّم النّبيّ ﷺ بيعها وشراءها، فعن أبي مسعود الأنصاريّ، أنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغيّ وحلوان الكاهن [3]. وعن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: “شرّ الكسب مهر البغي، وثمن الكلب، و…” [4]. والنّهي محمول على الكلاب الّتي ليست للصيد ولا لحراسة الماشية والزرع، كما ذهب إلى ذلك الإمام سحنون.
كما أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب [5]، وقد حمله الإمام مالك على كلّ كلب اتّخذ لغير الصّيد والماشية، وقال: تُقتل ما يؤذي منها، وما يكون في موضع لا ينبغي أن يكون فيه كالفسطاط أي المدن، وليس ذلك ممّا يمنع الإحسان إليها حال حياتها، وأن يُحسن قتلتها، ولا تُتّخذ غرضا، ولا تُقتل جوعا ولا عطشا [6].
وقال بعض العلماء بجواز اتّخاذ الكلاب في الحضر في البيوت للحراسة عند خوف السرقة، وقد اتخذ ابن أبي زيد القيرواني كلباً في داره حين وقع حائطها، وكان يخاف على نفسه من الشيعة، فقيل له في ذلك، فقال: لو أدرك مالك زماننا لاتّخذ أسداً ضاريا؛ فيُفهم من ذلك أنّ القائلين بالجواز اعتبروا الخوف على النّفس والمال ممّا يرخّص فيه في اتّخاذ الكلاب في البيوت.
لكن القول المعتمد في المذهب ألغى هذه المصلحة؛ لأنّها نادرة في مقابلة مفسدة راجحة، وهي ما يلحق النّاس والأجوار والمارّين في الحضر من المضرّة والتّرويع وقطع هدوئهم، بكثرة نباحها وشدّته، في الليل والنّهار، وقد تؤذي من ليس بسارق ومن لم يسرق بعد؛ ولأنّ حراسة البيوت في الحضر موكولة لأصحابها لقدرتهم على حفظ بيوتهم وشدّ إغلاقها، فلا تقاس على حراسة الزّرع والمواشي ومواطن السّكن في البوادي والقفار والفيافي [7]، ولعلّ دار ابن أبي زيد لم تكن في الحضر، بل كانت بعيدة عنه.
والجدير بالتّذكير أنّ هذا الخلاف إنّما هو في كلاب الحراسة والصّيد، وهي معروفة بشراستها وضراوتها. وأمّا غيرها من كلاب الزّينة فليس فيها الخلاف المذكور، بل لا يجوز اتّخاذها في البيوت قولا واحدا.
وممّا يؤيّد عدم جواز اتّخاذ الكلاب في البيوت، مع ما فيها من الرائحة الكريهة التي تنبعث منها، المنافى للطهارة وطيب الرائحة التي يدعو إليهما الإسلام، ما أثبته العلم الحديث أنّ الكلاب تحمل في لعابها أنواعا خطيرة من البكتيريا تسبّب أمراضا قد تنتهي بالموت، والدّراسات الأكاديمية في ذلك كثيرة. وهذا هو السّرّ فيما جاء من حديث النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بغسل الإناء الّذي يلغ فيه الكلب سبع مرّات، إحداهنّ بالتّراب، فقد فسّره فقهاء المذهب، بوقاية النّاس ممّا في لعاب الكلب من الأمراض، ومن ذلك داء الكلب، وهو الّذي رجّحه ابن رشد الجدّ [8]. والله أعلم.

————————
[1] أخرجه مالك في الجامع، باب ما جاء في أمر الكلاب، والبخاري في الذبائح والصيد، باب من اقتنى كلباً ليس بكلب صيد.
[2] أخرجه مسلم في اللباس والزينة، باب تحريم تصوير الحيوان.
[3] أخرجه مالك في البيوع، باب ما جاء في ثمن الكلب، ومسلم في المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب.
[4] أخرجه مسلم في المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب.
[5] أخرجه مالك عن ابن عمر في الجامع، باب ما جاء في أمر الكلاب.
[6] المنتقى: 7/289.
[7] المنتقى: 7/289. والمعلم: 2/293، وإكمال المعلم: 5/241، وشرح الزرقاني على الموطأ: 4/590، وفواكه الدواني:2/344، وشرح التلقين: 2/429، وشرح الزرقاني: 5/31، والفقه المالكي وأدلّته: 1/15 ـ 16، 5/20 ـ 21.
[8] المقدّمات الممهّدات: 1/90.

هل استفدت من الإجابة؟
لا 0
المشاهدات: 88